الطفيات - المصلاوي، علي كاظم - الصفحة ٥٣ - البنية الموضوعيّة للطفّيّات
سوق الإماء. فكان هذا اليوم يوم ظلامة الشيعة الذين راحوا يستمدون قوتهم وصبرهم وتصديهم من ذلك اليوم الرهيب مستلهمين فيه قوة الحسين عليه السلام وصبره وتصديه لاعدائه. وإنَّ الأحداث السياسية التي كان يعيشها الشريف الرضي في زمن العباسيين لم تكن بأحسن حال من أيام الأمويين بل كانت أشدَّ سوءاً، فالظلامة ازدادت بازدياد القتل والتنكيل والتشريد بأئمة الشيعة وأعوانهم المخلصين وهذا ما نلحظه في طفياته.
أما الطفية الأخيرة والتي لم تحوِ مقدمة ما إذ باشر الشاعر فيها غرضه وصافحه مصافحة، بدأ موضوعه بنداء محذوف موجه إلى كربلاء: [١٠٢]
كربلا لا زِلْتِ كرْباً وبلا *** *** كَمْ لقي عندَكِ آلُ المصْطَفى
إنّ هذه الكلمات القليلة البسيطة تتجدد في كل حين بتجدد الذكرى الأليمة في كل عام.
وبعد هذا النداء المحذوف والسؤال الاستنكاري الصارخ يسترسل الشاعر في عرض ما حدث في أرض كربلاء ليثبت للسامع أنها أرض كرب وبلاء:[١٠٣]
كَمْ على تُرْبِكِ لمّا صُرِّعوا *** *** مِنْ دَمٍ سالَ ومِنْ دمْعٍ جَرى
كَمْ حَصانِ الذَّيلِ يَرْوِي دَمعُها *** *** خَدَّهاعنْدَ قَتيلٍ بالظّما
تَمْسَحُ التُّرْبَ على إعْجالِها *** *** عَنْ طُلى نَحْرٍ رَميلٍ بالدّما
وَضُيوفٍ لفَلاةٍ قَفْرَةٍ *** *** نَزَلُوا فِيْها على غَيْرِ قِرَى
لمْ يَذوقوا الماءَ حتَّى اجْتَمَعوا *** *** بِحدى السيفِ على وِرْدِ الرَّدى
تَكْسِفُ الشمسُ شُموساً منْهُمُ *** *** لا تُدانيها ضِياءً وَعُلى
وَتَنُوشُ الوَحْشُ مِنْ أجسادِهِمْ *** *** أرْجُلَ السَّبْقِ وَأَيمانَ النّدى
وَوُجُوهاً كالمصابيحِ، فَمِنْ *** *** قَمَرٍ غابَ، ونَجْمٍ قَدْ هَوى
غَيَّرَتْهُنَّ الليالي، وَغَدا *** *** جايِرَ الحُكْمِ عليْهِنَّ البِلى
[١٠٢] م.ن: ١/٤٤.
[١٠٣] م. ن.