الطفيات - المصلاوي، علي كاظم - الصفحة ١١٧ - الحسين عليه السلام وأصحابه
ثمَّ يتحول الشاعر إلى وصف مقتلهم بقوله[٢٨٧]:
حتى إذا التقمتهم حوت القضا *** *** وهي الأماني دون خير أمين
ففي هذا البيت تشخيص جميل للقضاء المحتوم إذ جعله حوت يلتقمهم، ولكن هذا الموت - على بشاعته - كان أمنية لهم فهم يفدون به أمين الله على خلقه كناية عن الحسين عليه السلام، فكل شيء يهون في مقابل ذلك، ثم يقول:
نبذتهم الهيجاء فوق تلاعها *** *** كالنون ينبذ بالعرى ذا النون
فتخال كلاً ثمَّ يونس فوقه *** *** شجر القنا بدلاً عن اليقطين
وهنا يستعمل الشاعر الموروث الديني ليوظفه في تشبيهاته ليخرج لنا صورة جديدة ذات أبعاد متعددة تثير خيال المتلقي وتجلب انتباهه، فما دام قد ذكر حوت القضا ذكر معه النون وقد التقم يونس عليه السلام في قصته المشهورة التي أوردها القرآن الكريم[٢٨٨] فلما نبذه الحوت في العراء نبذت الهيجاء أصحاب الحسين (عليهم السلام) فوق هضباتها، والالتقاء بين الصورتين (النبذ) ثم يأتي تشبيه الشاعر كالنون (أي الحوت) الذي نبذ بالعراء النبي يونس الذي كنى عنه (ذي النون)، ولكن الأمر لم ينته عند هذا الحد من المقاربة الصورية الموضوعية بين الطرفين فعقد الشاعر تشبيهاً جديداً باستعمال الفعل (تخال) المسند إلى الضمير المخاطب أي المتلقي لاتخاذ وضع المشاركة في الصورة التي رسمها، فيونس عندما نبذه الحوت في العراء أنبت الله جل وعلا شجرة من يقطين تظلل عليه من حر ومن برد لكن هذا المشهد الرحيم الودود لم يكن كذلك مع أصحاب الحسين عليهم السلام فعندما صرعوا فوق ثرى الطف لم يظللهم شجر اليقطين وإنما ظللهم شجر القنا والرماح العواسل.
[٢٨٧] م.ن.
[٢٨٨] الصافات: ١٣٩ - ١٤٨.