الطفيات - المصلاوي، علي كاظم - الصفحة ٦٩ - البنية الداخلية (اللغة الشعرية)
ابتدأ الشعراء القدامى بالوقوف على الطلل واستذكار مواضع الأحبة، وسكب الدمع على ما حلَّ بهم، ويمعن النظر فيما تركه الأحبة من رماد وأطناب وأماكن للوقود ونجد الشاعر في طفية أخرى يقول:[١٤٦]
وراءَكَ عنْ شاكٍ قليلِ العوائِدِ *** *** تُقَلِّبُهُ بالرَّمْلِ أيْدي الأباعِدِ
يُراعي نُجُومَ الليلِ والهمَّ، كلَّما *** *** مضى صادرٌ عني بآخِر وارِدِ
توَزَّع بيْنَ النَّجْمِ والدَّمْعِ طَرْفُهُ *** *** بِمَطْرُوقَةٍ إنْسانُها غيرُ راقِدِ
إنها علائم البادية، الرمال ونجوم الليل الساطعة في صحراء مترامية الأطراف، وبعد ذلك ينظر إلى الدار وكله اشتياق لها وهي هناك من رمل اللوى المتطاول:[١٤٧]
فيا نظرةَ لا تنظرُ العَيْنُ اخْتَها *** *** إلى الدّارِ مِنْ رَمْلٍ اللوى المتَقاوِدِ ج
هيَ الدَّارُ لا شَوْقي القَدِيمِ بناقِصٍ *** *** إليها ولا دَمْعي عليها بجامِدِ
وترى هذا الحسَّ البدوي أيضاً في قوله:[١٤٨]
صاحَتْ بِذَوْديَ بَغْدادٌ فآنَسَني *** *** تَقَلُّبي في ظُهُورِ الخَيْلِ والعِيْرِ جج
وكلَّما هجهجَتْ بي عنْ منازِلِها *** *** عارضْتُها بِجَنانٍ غيرِ مَذْعُورِ جج
أطْغى على قاطِنيها غيرَ مُكْتَرِثٍ *** *** وأفعلُ الْفِعْلَ فيها غيرَ مأمُورِ
فنلحظ الألفاظ (ذودي، هجهجت) من الألفاظ القليلة التداول، بدوية الحس، ولعل الشاعر لم يجد ما يعوض عنها دلالياً أكثر منها لذلك جاء استخدامه لها. فالذود تأتي بمعنى[١٤٩] (الطرد والدفع) أي يصبح المعنى صاحت بدفعي أو طردي، ولو استخدم واحدة منها لما اختل المعنى والوزن، ولكنه استخدم (ذودي) فأشعرنا بقوة الطرد وعظم تلك الصيحة ووطأتها الشديدة عليه، تمسّكاً منه بالقديم واعتزازاً به.
[١٤٦] م.ن: ١/٣٦٤ - ٣٦٥
[١٤٧] م.ن.
[١٤٨] م. ن: ١/ ٤٨٧
[١٤٩] مختار الصحاح: مادة (ذود)