الطفيات - المصلاوي، علي كاظم - الصفحة ٦٨ - البنية الداخلية (اللغة الشعرية)
وهو إذ يزاوج بين القديم والجديد تظهر على سطح نتاجاته بعض الألفاظ والتراكيب المنتمية لغير عصره، وربما كان وراء ذلك ثقافته اللغوية الشديدة الارتباط بتراث العرب القديم، فقد كان الشريف الرضي "على حظٍ عجيب من المعجم الفصيح مما مكَّن اسلوبه من القوة وطوع التغير، فجاء وسطاً بين تعقيد المعري وتركيز المتنبي"[١٤٣]. وهو إذ يصنع ذلك يشير إلى نمطٍ مخلص لثقافة قومه وتأريخهم، في وقت بدأ التنصل من تلك الثقافة وتأريخها يتخذ منحىً خطيراً خاصة وقد تقسمت الدولة الإسلامية إلى دويلات وإمارات صغيرة، ودخل في العرب من يريد أن يصنع الفتن من أقوام غاظها ما للعرب ولغتهم من أصالة عريقة.
ومهما يكن من أمرٍ فإن الطابع البدوي كان سمة لا تغادر شعر الشريف الرضي كله، مما أهَّلَه لأن يترأس مدرسة خاصة به كان إشعاعها ممتدّاً إلى عصرنا الحاضر.[١٤٤] وإذا ما تصفحنا طفياته فإننا نجدها مليئة بتلك الروح البدوية.
قال الشريف:[١٤٥]
هذي المَنازِلُ بالغَميمِ، فنادِها *** *** واسكُبْ سَخِيَّ العَيْنِ بَعْدَ جَمادِها
إنْ كانَ دَينٌ للمَعالِمِ، فاقْضِهِ، *** *** أوْ مُهْجَةٌ عِنْدَ الطُّلُولِ فَفادِها
يا هلْ تَبُلُّ مِنَ الغَليلِ إليْهِمُ، *** *** إشْرافَةٌ للرَّكْبِ فَوْقَ نِجادِها ج
نُؤْيٌ كُمُنْعَطِفِ الحَنِيَّةِ دُوْنَهُ *** *** سُحْمٌ الخُدُودِ لهنَّ إْرثُ رَمادِها
ومَناطُ أطْنابٍ وَمَقْعَدُ فِتْيَةٍ، *** *** تَخْبُو زِنَادُ الحيِّ غيرَ زِنادِها
ومَجَرُّ أرْسانِ الجِيادِ لِغلْمَةٍ *** *** سجَفوا البُيُوتَ بشُقْرِها وَوِرادِها ج
وأنت تقرأ هذه الأبيات لا تحسُّ بأن شاعرها عاش في قمة ازدهار الحضارة الإسلامية ونشأ وترعرع في عاصمتها بغداد، وإنما تحس أنه شاعرٌ بدوي يبتدئ كما
[١٤٣] الشريف الرضي: ٢٦٣
[١٤٤] ينظر: لغة الشعر بين جيلين: ٢٧، والقصائد الخالدات: ٤٠.
[١٤٥] ديوان الشريف الرضي: ١/٣٦٠ - ٣٦١