مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٣٥ - آيات التحدّي
هناك افتراء بحسب نظر المدّعي، ولا يقبله الطرف الآخر بوجه، وفي الحقيقة يكون الافتراء المدّعى افتراءً واقعيّاً غير مطابق للواقع بوجه، ولكنّ الافتراء هنا افتراء مقبول للطرفين، والغرض- واللَّه أعلم- أ نّ اتّصاف القرآن بالإعجاز وإن كان ركنه الذي يتقوّم به إنّما هو المقاصد الإلهية، والأغراض الربوبيّة التي تشتمل عليها ألفاظه المقدّسة، وعباراته الشريفة، إلّاأ نّه لا ينحصر بذلك، بل لو فرض كون المطالب غير واقعيّة والقصص كاذبة، لكان البشر عاجزاً عن التعبير بمثل تلك الألفاظ، مع النظم الخاصّ والاسلوب المخصوص.
ففي الحقيقة: يكون التحدّي في هذه الآية- بعد الإغماض عن علوّ المطالب، وسموّ المعاني، وصدق القصص، وواقعيّة المفاهيم- بخلاف التحدّي الواقع في الآية الكريمة في سورة يونس؛ بالإتيان بسورة مثل سور القرآن؛ فإنّ ظاهره المماثلة من جهة المزايا الراجعة إلى المعنى والخصوصيّات المشتملة عليها الألفاظ معاً.
نعم، يبقى الكلام- بعد ظهور عدم كون المراد بالعشرة إلّاالكثرة لا العدد الخاصّ- في حكمة العناية بالكثرة، ولعلّها عبارة عن التنبيه على اشتمال الكتاب العزيز على خصوصيّة مفقودة في غيره، ولا يكاد يقدر عليها البشر، وإن بلغ مابلغ، وهي الإتيان بقصّة واحدة بأساليب متعدّدة وتعبيرات مختلفة متساوية من حيث الوقوع في أعلى مرتبة البلاغة، وبذلك ترتفع الشبهة التي يمكن أن تخطر بالبال، بل بعض الناس أوردها على الإعجاز بالبلاغة والاسلوب.
وهي: أنّ الجملة أو السورة المشتملة على القصّة يمكن التعبير عنها بعبارات مختلفة تؤدّي المعنى، ولابدّ أن تكون عبارة منها ينتهي إليها حسن البيان، مع السلامة من كلّ عيب لفظيّ أو معنويّ، فمن سبق إلى هذه العبارة أعجز غيره عن الإتيان بمثلها؛ لأنّ تأليف الكلام في اللغة لا يحتمل ذلك، ولكنّ القرآن عبّر عن بعض المعاني وبعض القصص بعبارات مختلفة الاسلوب والنظم، من مختصر ومطوّل،