مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٣٢ - آيات التحدّي
وقد تفصّى عن هذا الإشكال بعض الأعاظم في تفسيره الكبير، المعروف ب «الميزان في تفسير القرآن» بكلام طويل يرجع حاصله إلى: «أنّ كلّ واحدة من آيات التحدّي تؤمّ غرضاً خاصّاً في التحدّي؛ لأنّ جهات القرآن وما به تتقوّم حقيقته وهو كتاب إلهيّ- مضافاً إلى ما في لفظه من الفصاحة، وفي نظمه من البلاغة- إنّما ترجع إلى معانيه ومقاصده، لا ما يقصده علماء البلاغة من قولهم: «إنّ البلاغة من صفات المعنى»؛ لأنّهم يعنون به المفاهيم من جهة ترتّبها الطبعيّ في الذهن؛ من دون فرق بين الصدق والكذب والهزل والفحش وما جرى مجراها، بل المراد من المعنى ما يصفه تعالى بأنّه كتاب حكيم، ونور مبين، وقرآن عظيم، وهادٍ يهدي إلى الحقّ، وإلى طريق مستقيم، وما يضاهي هذه التعبيرات.
وهذا هو الذي يصحّ أن يتحدّى به بمثل قوله- تعالى-: «فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مّثْلِهِى» [١]؛ فإنّا لا نسمّي الكلام حديثاً إلّاإذا اشتمل على غرض هامّ يتحدّث به، وكذا قوله- تعالى-: «فَأْتُوا بِسُورَةٍ مّثْلِهِى» [٢]؛ فإنّ اللَّه لا يسمّي جماعة من آيات كتابه- وإن كانت ذات عدد- سورةً إلّاإذا اشتملت على غرض إلهيّ تتميّز به عن غيرها.
ولولا ذلك لم يتمّ التحدّي بالآيات القرآنيّة، وكان للخصم أن يختار من مفردات الآيات عدداً ذا كثرة.
.. ثمّ يقابل كلّاً منها بما يناظرها من الكلام العربي من غير أن يضمن ارتباط بعضها ببعض.
فالذي كلّف به الخصم في هذه التحدّيات هو أن يأتي بكلام يماثل القرآن، مضافاً إلى بلاغة لفظه في بيان بعض المقاصد الإلهيّة.
والكلام الإلهي- مع ما تحدّى به في آيات التحدّي- يختلف بحسب ما يظهر من
[١] سورة الطور ٥٢: ٣٤.
[٢] سورة يونس ١٠: ٣٨.