مدخل التفسير( طبع جديد) - الفاضل اللنكراني، الشيخ محمد - الصفحة ٢٨٩ - الجهة الثالثة تعارضها مع الكتاب والعقل
ومن الواضح: أ نّ الإتيان بالمعجزة المثبتة لهذه الدعوى لابدّ وأن يكون صالحاً لإثبات كلا الأمرين، وقابلًا للاستناد إليه في كلتا الدعويين، فالمعجزة في هذا الدين تمتاز عن معجزات الأنبياء السالفين، وتختصّ بخصوصيّة لا توجد في معجزات السفراء الماضين، ولأجله تختلف- سنخاً ونوعاً- مع تلك المعجزات غير الباقية، والامور الخارقة للعادة التي كان الغرض منها إثبات أصل النبوّة.
ومن المعلوم أيضاً: أنّ هذا الوصف إنّما يختصّ به القرآن المجيد، ولا يوجد في معجزات النبيّ صلى الله عليه و آله الأُخرى؛ فإنّه هي المعجزة الوحيدة الخالدة، والدليل الفذّ الباقي إلى يوم القيامة، فالقرآن من حين نزوله كان ملحوظاً بهذا الوصف، ومنظوراً من هذه الجهة، التي ليس فوقها جهة ولا يرى شأن أعظم منها، كما لا يخفى.
ومع وجود هذه الخصوصيّة، وثبوت هذه العظمة، كيف يمكن توهّم أ نّه لميجمع في عصر النبيّ صلى الله عليه و آله ولم يعتنِ بشأنه- من جهة الجمع- الرسولُ الأعظم، ولا أحد من المسلمين، مع شدّة اهتمامهم به وبحفظه وقراءته وتعلّمه وتعليمه، وتدريسه وتدرّسه، وأخذ فنون المعارف والأحكام والقصص والحِكم وسائر الحقائق منه؟! وهل يتوهّم من له عقل سليم وطبع مستقيم أن يوكِلَ النبيُّ صلى الله عليه و آله أمرَ جمع القرآن إلى من بعده، ولا سيّما مع علمه بأنّ الذي يتصدّى للجمع بعده هو الذي لايكون متّصفاً بوصف العصمة، بل وأعظم من ذلك من لاحظَّ له من العلم والمعرفة بوجه؛ إذ لا محالة يكون جمعه ناقصاً من جهة التحريف، ومن جهة عدم تحقّق التناسب الكامل بين الآيات.
ومن الواضح: مدخليّته في ترتّب الغرض المقصود منه؛ ضرورة أنّ ارتباط أجزاء الكتاب ووقوع كلّ جزء في موضعه، له كمال المدخليّة في ترتّب غرض الكتاب، خصوصاً في القرآن الذي كان غرضه أهمّ الأغراض من ناحية، وعدم