إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩ - الأولى أن يطلب الأتقياء
في بيته لأوغر بذلك صدره.هذا إن كان نظره إلى اللّٰه عز و جل،و إن كان نظره إلى نفسه و ثوابه في الآخرة فليس بعاقل من يؤثر غيره على نفسه،و ليس له من ماله إلا ما تصدق به فأبقى،أو أكل فأفنى ،و الذي يأكله قضاء و طرفي الحال،فليس من العقل قصر النظر على العاجلة و ترك الادخار.و قد قال اللّٰه تعالى: (يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْفِقُوا مِنْ طَيِّبٰاتِ مٰا كَسَبْتُمْ وَ مِمّٰا أَخْرَجْنٰا لَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَ لاٰ تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ وَ لَسْتُمْ بِآخِذِيهِ إِلاّٰ أَنْ تُغْمِضُوا فِيهِ) [١]أي لا تأخذوه إلا مع كراهية و حياء و هو معنى الإغماض فلا تؤثروا به ربكم.و في الخبر[١]«سبق درهم مائة ألف درهم »و ذلك بأن يخرجه الإنسان و هو من أحل ماله و أجوده،فيصدر ذلك عن الرضا و الفرح بالبدل،و قد يخرج مائة ألف درهم مما يكره من ماله فيدل ذلك على أنه ليس يؤثر اللّٰه عز و جل بشيء مما يحبه،و بذلك ذم اللّٰه تعالى قوما جعلوا للّٰه ما يكرهون ،فقال تعالى: (وَ يَجْعَلُونَ لِلّٰهِ مٰا يَكْرَهُونَ وَ تَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنىٰ لاٰ) [٢]وقف بعض القراء على النفي تكذيبا لهم،ثم ابتدأ و قال: (جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النّٰارَ) [٣]أي كسب لهم جعلهم للّٰه ما يكرهون النار
الوظيفة الثامنة:أن يطلب لصدقته من تزكو به الصدقة
،و لا يكتفى بأن يكون من عموم الأصناف الثمانية،فان في عمومهم خصوص صفات،فليراع خصوص تلك الصفات،و هي ستة:
الأولى:أن يطلب الأتقياء
المعرضين عن الدنيا المتجردين لتجارة الآخرة،قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[٢]«لا تأكل إلاّ طعام تقيّ و لا يأكل طعامك إلاّ تقيّ ».و هذا لأن التقى يستعين به على التقوى،فتكون شريكا له في طاعته باعانتك إياه.و قال صلّى اللّٰه عليه و سلّم[٣] «أطعموا طعامكم الأتقياء و أولوا معروفكم المؤمنين »و في لفظ آخر[٤]«أضف بطعامك من تحبّه في اللّٰه تعالى ».و كان بعض العلماء يؤثر بالطعام فقراء الصوفية دون غيرهم
[١] البقرة:٦٢
[٢] النحل:٦٢
[٣] النحل:٦٢