إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١٧ - التاسع في الجهر بالقراءة
و قال:يا أيها المصلى إن كنت تريد اللّه عز و جل بصلاتك فاخفض صوتك،و إن كنت تريد الناس فإنهم لن يغنوا عنك من اللّه شيئا فسكت عمر بن عبد العزيز و خفف ركعته،فلما سلم أخذ نعليه و انصرف،و هو يومئذ أمير المدينة و يدل على استحباب الجهر ما روى أن النبي صلّى اللّه عليه و سلم[١]سمع جماعة من أصحابه يجهرون في صلاة اللّيل فصوّب ذلك و قد قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«إذا قام أحدكم من اللّيل فصلّى فليجهر بالقراءة فإنّ الملائكة و عمّار الدّار يستمعون قراءته و يصلّون بصلاته» و مر صلى اللّه عليه و سلم بثلاثة من أصحابه رضى اللّه عنهم مختلفى الأحوال[٣]فمر على أبي بكر رضى اللّه عنه و هو يخافت،فسأله عن ذلك،فقال:إن الذي أناجيه هو يسمعني،و مر على عمر رضى اللّه عنه و هو يجهر،فسأله عن ذلك،فقال: أوقظ الوسنان و أزجر الشيطان، و مر على بلال و هو يقرأ آيا من هذه السورة و آيا من هذه السورة،فسأله عن ذلك،فقال:أخلط الطيب بالطيب.فقال صلّى اللّه عليه و سلم«كلّكم قد أحسن و أصاب» فالوجه في الجمع بين هذه الأحاديث أن الإسرار أبعد عن الرياء و التصنع فهو أفضل في حق من يخاف ذلك على نفسه،فإن لم يخف و لم يكن في الجهر ما يشوش الوقت على مصل آخر فالجهر أفضل،لأن العمل فيه أكثر،و لأن فائدته أيضا تتعلق بغيره،فالخير المتعدي أفضل من اللازم،و لأنه يوقظ قلب القارئ،و يجمع همه إلى الفكر فيه،و يصرف إليه سمعه،و لأنه يطرد النوم في رفع الصوت،و لأنه يزيد في نشاطه للقراءة و يقلل من كسله،و لأنه يرجو بجهره تيقظ نائم فيكون هو سبب إحيائه،و لأنه قد يراه بطال