إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١١١ - الثاني في مقدار القراءة
و قد ورد في التوراة:يا عبدي أما تستحي منى:يأتيك كتاب من بعض إخوانك و أنت في الطريق تمشي فتعدل عن الطريق و تقعد لأجله و تقرؤه و تتدبره حرفا حرفا حتى لا يفوتك شيء منه،و هذا كتابي أنزلته إليك،أنظر كم فصلت لك فيه من القول،و كم كررت عليك فيه لتتأمل طوله و عرضه ثم أنت معرض عنه،أ فكنت أهون عليك من بعض إخوانك! يا عبدي يقعد إليك بعض إخوانك فتقبل عليه بكل وجهك و تصغي إلى حديثه بكل قلبك فان تكلم متكلم أو شغلك شاغل عن حديثه أومأت إليه أن كف،و ها أنا ذا مقبل عليك و محدث لك و أنت معرض بقلبك عنى،أ فجعلتني أهون عندك من بعض إخوانك؟
الباب الثاني
في ظاهر آداب التلاوة و هي عشرة
الأول في حال القارئ:
و هو أن يكون على الوضوء واقفا على هيئة الأدب و السكون إما قائما،و إما جالسا مستقبل القبلة،مطرقا رأسه،غير متربع و لا متكئ و لا جالس على هيئة التكبر،و يكون جلوسه وحده كجلوسه بين يدي أستاذه.و أفضل الأحوال أن يقرأ في الصلاة قائما،و أن يكون في المسجد،فذلك من أفضل الأعمال. فان قرأ على غير وضوء و كان مضطجعا في الفراش فله أيضا فضل و لكنه دون ذلك،قال اللّه تعالى: (الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللّٰهَ قِيٰاماً وَ قُعُوداً وَ عَلىٰ جُنُوبِهِمْ وَ يَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ [١]) فأثنى على الكل و لكن قدم القيام في الذكر ثم القعود ثم الذكر مضطجعا.قال علىّ رضى اللّه عنه:من قرأ القرءان و هو قائم في الصلاة كان له بكل حرف مائة حسنة،و من قرأه و هو جالس في الصلاة فله بكل حرف خمسون حسنة،و من قرأه في غير صلاة و هو على وضوء فخمس و عشرون حسنة،و من قرأه على غير وضوء فعشر حسنات،و ما كان من القيام بالليل فهو أفضل لأنه أفرغ للقلب.
قال أبو ذر الغفاري رضى اللّه عنه:إن كثرة السجود بالنهار و إن طول القيام بالليل أفضل
الثاني في مقدار القراءة:
و للقراء عادات مختلفة في الاستكثار و الاختصار،فمنهم من يختم القرءان في اليوم و الليلة مرة،و بعضهم مرتين،و انتهى بعضهم إلى ثلاث،و منهم من يختم في الشهر مرة.
[١] آل عمران ١٩١