إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٤ - الباب الرابع
و الشديد العسوف و المرجو و المخوف،و ذلك بحسب أوصافه،إذ منها الرحمة و اللطف و الانتقام و البطش فبحسب مشاهدة الكلمات و الصفات يتقلب القلب في اختلاف الحالات و بحسب كل حالة منها يستعد للمكاشفة بأمر يناسب تلك الحالة و يقاربها إذ يستحيل أن يكون حال المستمع واحدا و المسموع مختلفا إذ فيه كلام راض و كلام غضبان و كلام منعم و كلام منتقم و كلام جبار متكبر لا يبالي و كلام حنان متعطف لا يهمل
الباب الرابع
في فهم القرءان و تفسيره بالرأي من غير نقل
لعلك تقول:عظمت الأمر فيما سبق في فهم أسرار القرءان و ما ينكشف لأرباب القلوب الزكية من معانيه،فكيف يستحب ذلك.و قد قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[١]«من فسّر القرءان برأيه فليتبوّأ مقعده من النّار»و عن هذا شنع أهل العلم بظاهر التفسير على أهل التصوّف من المفسرين المنسوبين إلى التصوف في تأويل كلمات في القرءان على خلاف ما نقل عن ابن عباس و سائر المفسرين،و ذهبوا إلى أنه كفر،فان صح ما قاله أهل التفسير فما معنى فهم القرءان سوى حفظ تفسيره؟و إن لم يصح ذلك فما معنى قوله صلّى اللّٰه عليه و سلم «من فسّر القرءان برأيه فليتبوّأ مقعده من النّار» فاعلم أن من زعم أن لا معنى للقرءان إلا ما ترجمه ظاهر التفسير فهو مخبر عن حد نفسه، و هو مصيب في الإخبار عن نفسه،و لكنه مخطئ في الحكم برد الخلق كافة إلى درجته التي هي حده و محطه[٢]بل الأخبار و الآثار تدل على أن في معانى القرءان متسعا لأرباب الفهم،قال على رضى اللّٰه عنه إلا أن يؤتى اللّٰه عبدا فهما في القرءان.فان لم يكن سوى الترجمة المنقولة فما ذلك الفهم؟و قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[٣]«إنّ للقرءان ظهرا و بطنا و حدّا و مطلعا»و يروى أيضا عن ابن مسعود موقوفا عليه و هو من علماء التفسير،فما معنى الظهر