إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٢ - التاسع أن يتقرب باراقة دم
و يستحب أن ينزل عن دابته غدوة و عشية يروّحها بذلك[١]فهو سنة و فيه آثار عن السلف.
و كان بعض السلف يكتري بشرط أن لا ينزل،و يوفى الأجرة،ثم:كان ينزل عنها ليكون بذلك محسنا إلى الدابة،فيكون في حسناته و يوضع في ميزانه لا في ميزان المكاري .و كل من آذى بهيمة و حمّلها ما لا تطيق طولب به يوم القيامة.قال أبو الدرداء لبعير له عند الموت:
يا أيها البعير لا تخاصمني إلى ربك فانى لم أكن أحمّلك فوق طاقتك.و على الجملة في كل كبد حرّاء أجر.فليراع حق البداية و حق المكاري جميعا.و في نزوله ساعة ترويح الدابة و سرور قلب المكاري .قال رجل لابن المبارك:احمل لي هذا الكتاب معك لتوصله فقال:
حتى أستأمر الجمال فانى قد اكتريت.فانظر كيف تورع من استصحاب كتاب لا وزن له؟ و هو طريق الحزم في الورع،فإنه إذا فتح باب القليل انجرّ إلى الكثير يسيرا يسيرا.
التاسع:أن يتقرب باراقة دم
و إن لم يكن واجبا عليه .و يجتهد أن يكون من سمين النعم و نفيسه،و ليأكل منه إن كان تطوعا و لا يأكل منه إن كان واجبا.قيل في تفسير قوله تعالى: (ذٰلِكَ وَ مَنْ يُعَظِّمْ شَعٰائِرَ اللّٰهِ [١])إنه تحسينه و تسمينه .و سوق الهدى من الميقات أفضل إن كان لا يجهده و لا يكده،و ليترك المكاس في شرائه،فقد كانوا يغالون في ثلاث و يكرهون المكاس فيهن:الهدى و الأضحية و الرقبة،فان أفضل ذلك أغلاه ثمنا و أنفسه عند أهله[٢] و روى ابن عمر أن عمر رضى اللّٰه عنهما أهدى بختية فطلبت منه بثلاثمائة دينار فسأل رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم أن يبيعها و يشترى بثمنها بدنا فنهاه عن ذلك و قال بل أهدها ،و ذلك لأن القليل الجيد خير من الكثير الدون.و في ثلاثمائة دينار قيمة ثلاثين بدنة،و فيها تكثير اللحم،و لكن ليس المقصود اللحم إنما المقصود تزكية النفس و تطهيرها عن صفة البخل و تزيينها بجمال التعظيم للّٰه عز و جل،فلن ينال اللّٰه لحومها و لا دماؤها و لكن يناله التقوى منكم و ذلك يحصل بمراعاة النفاسة في القيمة كثر العدد أو قل
[١] الحج:٣٢