إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٥ - الثالث الخوف من ركوب الخطايا و الذنوب بها
الثالث:الخوف من ركوب الخطايا و الذنوب بها
،فإن ذلك مخطر ،و بالحرى أن يورث مقت اللّه عز و جل لشرف الموضع .و روى عن وهيب بن الورد المكي قال:كنت ذات ليلة في الحجر أصلي فسمعت كلاما بين الكعبة و الأستار يقول إلى اللّه أشكو ثم إليك يا جبرائيل ما ألقى من الطائفين حولى من تفكرهم في الحديث و لغوهم و لهوهم،لئن لم ينتهوا عن ذلك لأنتفضن انتفاضة يرجع كل حجر منى إلى الجبل الذي قطع منه و قال ابن مسعود رضى اللّه عنه ما من بلد يؤاخذ فيه العبد بالنية قبل العمل إلا مكة،و تلا قوله تعالى: (وَ مَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحٰادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذٰابٍ أَلِيمٍ [١]) أي أنه على مجرد الارادة و يقال إن السيئات تضاعف بها كما تضاعف الحسنات .و كان ابن عباس رضى اللّه عنه يقول الاحتكار بمكة من الإلحاد في الحرم .و قيل الكذب أيضا و قال ابن عباس:لأن أذنب سبعين ذنبا بركية أحب إلى من أن أذنب ذنبا واحدا بمكة.و ركية منزل بين مكة و الطائف و لخوف ذلك انتهى بعض المقيمين إلى أنه لم يقض حاجته في الحرم بل كان يخرج إلى الحل عند قضاء الحاجة.و بعضهم أقام شهرا،و ما وضع جنبه على الأرض.و للمنع من الإقامة كره بعض العلماء أجورد و رمكة و لا تظنن أن كراهة المقام يناقض فضل البقعة،لأن هذه كراهة علتها ضعف الخلق و قصورهم عن القيام يحق الموضع .فمعنى قولنا:إن ترك المقام به أفضل،أي بالإضافة إلى مقام مع التقصير و التبرم،أما أن يكون أفضل من المقام مع الوفاء بحقه فهيهات.و كيف لا و لما عاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم إلى مكة استقبل الكعبة و قال[١]«إنّك لخير أرض اللّه عزّ و جلّ و أحبّ بلاد اللّه تعالى إلىّ و لو لا أنّى أخرجت منك لما خرجت »و كيف لا.و النظر إلى البيت عباده،و الحسنات فيها مضاعفة كما ذكرناه؟
[١] الحج:٢٥