إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٣ - و أما زيارة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم
و أما زيارة رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم:
فينبغي أن تقف بين يديه كما وصفناه، و تزوره ميتا كما تزوره حيا،و لا تقرب من قبره إلا كما كنت تقرب من شخصه الكريم لو كان حيا،و كما كنت ترى الحرمة في أن لا تمس شخصه و لا تقبله بل تقف من بعد ماثلا بين يديه،فكذلك فافعل،فان المس و التقبيل للمشاهد عادة النصارى و اليهود .و اعلم أنه عالم بحضورك و قيامك و زيارتك،و أنه يبلغه سلامك و صلاتك.فمثل صورته الكريمة في خيالك موضوعا في اللحد بازائك و احضر عظيم رتبته في قلبك فقد روى عنه صلّى اللّه عليه و سلم[١] «أنّ اللّه تعالى وكّل بقبره ملكا يبلّغه سلام من سلّم عليه من أمّته »هذا في حق من لم يحضر قبره فكيف بمن فارق الوطن و قطع البوادي شوقا إلى لقائه و اكتفى بمشاهدة مشهده الكريم إذ فاته مشاهدة غرته الكريمة؟و قد قال صلّى اللّه عليه و سلم[٢]«من صلّى علىّ مرّة واحدة صلّى اللّه عليه عشرا»فهذا جزاؤه في الصلاة عليه بلسانه فكيف بالحضور لزيارته ببدنه؟ ثم ائت منبر الرسول صلّى اللّه عليه و سلم و توهم صعود النبي صلّى اللّه عليه و سلم المنبر،و مثل في قلبك طلعته البهية كأنها على المنبر و قد أحدق به المهاجرون و الأنصار رضى اللّه عنهم و هو صلّى اللّه عليه و سلم يحثهم على طاعة اللّه عز و جل بخطبته،و سل اللّه عز و جل أن لا يفرق في القيامة بينك و بينه .فهذه وظيفة القلب في أعمال الحج فإذا فرغ منها كلها فينبغي أن يلزم قلبه الحزن و الهم و الخوف و أنه ليس يدرى أقبل منه حجه و أثبت في زمرة المحبوبين أم رد حجه و الحق بالمطرودين.و ليتعرف ذلك من قلبه و أعماله فان صادف قلبه قد ازداد تجافيا عن دار الغرور و انصرافا إلى دار الأنس باللّه تعالى،و وجد أعماله قد اتزنت بميزان الشرع،فليثق بالقبول،فان اللّه تعالى لا يقبل إلا من أحبه، و من أحبه تولاه و أظهر عليه آثار محبته.و كف عنه سطوة عدوّه إبليس لعنه اللّه،فإذا ظهر ذلك عليه دل على القبول و إن كان الأمر بخلافه فيوشك أن يكون حظه من سفره العناء و التعب.نعوذ باللّه سبحانه و تعالى من ذلك تم كتاب أسرار الحج،يتلوه إن شاء اللّه تعالى كتاب آداب تلاوة القرءان