إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠١ - و أما زيارة المدينة
و ارتفعت إلى اللّه سبحانه أيديهم و امتدت إليه أعناقهم،و شخصت نحو السماء أبصارهم،مجتمعين بهمة واحدة على طلب الرحمة،فلا تظنن أنه يخيب أملهم و يضيع سعيهم و يدخر عنهم رحمة تغمرهم.و لذلك قيل:إن من أعظم الذنوب أن يحضر عرفات و يظن أن اللّه تعالى لم يغفر له و كأن اجتماع الهمم و الاستظهار بمجاورة الأبدال و الأوتاد المجتمعين من أقطار البلاد هو سر الحج و غاية مقصوده،فلا طريق إلى استدرار رحمة اللّه سبحانه مثل اجتماع الهمم و تعاون القلوب في وقت واحد على صعيد واحد
و أما رمى الجمار :
فاقصد به الانقياد للأمر إظهارا للرق و العبودية،و انتهاضا لمجرد الامتثال من غير حظ للعقل و النفس فيه،ثم اقصد به التشبه بإبراهيم عليه السلام حيث عرض له إبليس لعنه اللّه تعالى في ذلك الموضع ليدخل على حجه شبهة أو يفتنه بمعصية فأمره اللّه عز و جل أن يرميه بالحجارة طردا له و قطعا لأمله ،فان خطر لك أن الشيطان عرض له و شاهده فلذلك رماه و أما أنا فليس يعرض لي الشيطان،فاعلم أن هذا الخاطر من الشيطان و أنه الذي ألقاه في قلبك ليفتر عزمك في الرمي و يخيل إليك أنه فعل لا فائدة فيه،و أنه يضاهي اللعب فلم تشتغل به.فاطرده عن نفسك بالجد و التشمير في الرمي فيه برغم أنف الشيطان و اعلم أنك في الظاهر ترمى الحصى إلى العقبة،و في الحقيقة ترمى به وجه الشيطان و تقصم به ظهره إذ لا يحصل ارغام أنفه إلا بامتثالك أمر اللّه سبحانه و تعالى تعظيما له بمجرد الأمر من غير حظ للنفس و العقل فيه ،و أما ذبح الهدى فاعلم أنه تقرب إلى اللّه تعالى بحكم الامتثال،فأكمل الهدى و ارج[١]أن يعتق اللّه بكل جزء منه جزءا منك من النار،فهكذا ورد الوعد فكلما كان الهدى أكبر و أجزاؤه أوفر كان فداؤك من النار أعم
و أما زيارة المدينة :
فإذا وقع بصرك على حيطانها فتذكر أنها البلدة التي اختارها اللّه عز و جل لنبيه صلّى اللّه عليه و سلم و جعل إليها هجرته،و أنها داره التي شرع فيها فرائض ربه عز و جل و سنته،و جاهد عدوه و أظهر بها دينه،إلى أن توفاه اللّه عز و جل،ثم جعل تربته فيها و تربة و زيريه القائمين بالحق بعده رضى اللّه عنهما.ثم مثل في نفسك مواقع أقدام رسول اللّه