إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٧ - و أما الخروج من البلد
و أما الزاد:
فليطلبه من موضع حلال،و إذا أحس من نفسه الحرص على استكثاره و طلب ما يبقى منه على طول السفر و لا يتغير و لا يفسد قبل بلوغ المقصد،فليتذكر أن سفر الآخرة أطول من هذا السفر،و أن زاده التقوى،و أن ما عداه مما يظن أنه زاده يتخلف عنه عند الموت و يخونه فلا يبقى معه،كالطعام الرطب الذي يفسد في أوّل منازل السفر فيبقى وقت الحاجة متحيرا محتاجا لا حيلة له.فليحذر أن تكون أعماله التي هي زاده إلى الآخرة لا تصحبه بعد الموت،بل يفسدها شوائب الرياء و كدورات التقصير
و أما الراحلة:
إذا أحضرها فليشكر اللّٰه تعالى بقلبه على تسخير اللّٰه عز و جل له الدواب لتحمل عنه الأذى و تخفف عنه المشقة،و ليتذكر عنده المركب الذي يركبه إلى دار الآخرة و هي الجنازة التي يحمل عليها،فان أمر الحج من وجه يوازى أمر السفر إلى الآخرة،و لينظر أ يصلح سفره على هذا المركب لأن يكون زادا له لذلك السفر على ذلك المركب،فما أقرب ذلك منه،و ما يدريه لعل الموت قريب،و يكون ركوبه للجنازة قبل ركوبه للجمل،و ركوب الجنازة مقطوع به،و تيسر أسباب السفر مشكوك فيه،فكيف يحتاط في أسباب السفر المشكوك فيه و يستظهر في زاده و راحلته و يهمل أمر السفر المستيقن
و أما شراء ثوبي الإحرام :
فليتذكر عنده الكفن و لفه فيه،فإنه سيرتدى و يتزر بثوبي الإحرام عند القرب من بيت اللّٰه عز و جل و ربما لا يتم سفره إليه،و أنه سيلقى اللّٰه عز و جل ملفوفا في ثياب الكفن لا محالة،فكما لا يلقى بيت اللّٰه عز و جل إلا مخالفا عادته في الزي و الهيئة، فلا يلقى اللّٰه عز و جل بعد الموت إلا في زي مخالف لزى الدنيا،و هذا الثوب قريب من ذلك الثوب إذ ليس فيه مخيط كما في الكفن
و أما الخروج من البلد:
فلنعلم عنده أنه فارق الأهل و الوطن متوجها إلى اللّٰه عز و جل في سفر لا يضاهي أسفار الدنيا فليحضر في قلبه أنه ما ذا يريد و أين يتوجه،و زيارة من يقصد و أنه متوجه إلى ملك الملوك في زمرة الزائرين له،الذين نودوا فأجابوا،و شوّقوا فاشتاقوا و استنهضوا فنهضوا،و قطعوا العلائق،و فارقوا الخلائق،و أقبلوا على بيت اللّٰه عز و جل الذي فخّم أمره و عظّم شأنه و رفع قدره،تسليا بلقاء البيت عن لقاء رب البيت،إلى أن يرزقوا منتهى مناهم و يسعدوا بالنظر إلى مولاهم.و ليحضر في قلبه رجاء الوصول و القبول