إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠ - الصفة الثالثة أن يكون صادقا في تقواه
فقيل له:لو عممت بمعروفك جميع الفقراء لكان أفضل،فقال:لا هؤلاء قوم هممهم للّٰه سبحانه فإذا طرقتهم فاقة تشتت همّ أحدهم فلأن أرد همة واحد إلى اللّٰه عز و جل أحب إلى من أن أعطى ألفا ممن همته الدنيا،فذكر هذا الكلام للجنيد فاستحسنه،و قال هذا:
ولى من أولياء اللّٰه تعالى،و قال:ما سمعت منذ زمان كلاما أحسن من هذا،ثم حكى أن هذا الرجل اختل حاله و هم بترك الحانوت فبعث إليه الجنيد مالا و قال:اجعله بضاعتك و لا تترك الحانوت فان التجارة لا تضر مثلك.و كان هذا الرجل بقالا لا يأخذ من الفقراء ثمن ما يبتاعون منه
الصفة الثانية:أن يكون من أهل العلم خاصة
،فان ذلك إعانة له على العلم،و العلم أشرف العبادات مهما صحت فيه النية.و كان ابن المبارك يخصص بمعروفه أهل العلم ،فقيل له:لو عممت!فقال:إنى لا أعرف بعد مقام النبوّة أفضل من مقام العلماء،فإذا اشتغل قلب أحدهم بحاجة لم يتفرغ للعلم و لم يقبل على التعلم،فتفريغهم للعلم أفضل
الصفة الثالثة:أن يكون صادقا في تقواه
و علمه بالتوحيد،و توحيده أنه إذا أخذ العطاء حمد اللّٰه عز و جل و شكره و رأى أن النعمة منه و لم ينظر إلى واسطة.فهذا هو أشكر العباد للّٰه سبحانه،و هو أن يرى أن النعمة كلها منه.و في وصية لقمان لابنه:لا تجعل بينك و بين اللّٰه منعما،و اعدد نعمة غيره عليك مغرما.و من شكر غير اللّٰه سبحانه فكأنه لم يعرف المنعم و لم يتيقن أن الواسطة مقهور مسخر بتسخير اللّٰه عز و جل،إذ سلط اللّٰه تعالى عليه دواعي الفعل و يسر له الأسباب فأعطى و هو مقهور،و لو أراد تركه لم يقدر عليه بعد أن ألقى اللّٰه عز و جل في قلبه أن صلاح دينه و دنياه في فعله.فمهما قوى الباعث أوجب ذلك جزم الإرادة و انتهاض القدرة،و لم يستطع العبد مخالفة الباعث القوى الذي لا تردد فيه، و اللّٰه عز و جل خالق للبواعث و مهيجها،و مزيل للضعف و التردد عنها،و مسخر القدرة للانتهاض بمقتضى البواعث،فمن تيقن هذا لم يكن له نظر إلا إلى مسبب الأسباب،و تيقن مثل هذا العبد أنفع للمعطي من ثناء غيره و شكره،فذلك حركة لسان يقل في الأكثر جدواه،و إعانة مثل هذا العبد الموحد لا تضيع.و أما الذي يمدح بالعطاء و يدعو بالخير فسيذم بالمنع ،و يدعو بالشر عند الإيذاء،و أحواله متفاوتة.