إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢١ - الثالث حضور القلب و ترك حديث النفس
و الكلام على المنزلة رفيع الدرجة قاهر السلطان نافذ الحكم في الحق و الباطل، و هو القاضي العدل،و الشاهد المرتضى،يأمر و ينهى،و لا طاقة للباطل أن يقوم قدام كلام الحكمة،كما لا يستطيع الظل أن يقوم قدام شعاع الشمس،و لا طاقة للبشر أن ينفذوا غور الحكمة،كما لا طاقة لهم أن ينفذوا بأبصارهم ضوء عين الشمس،و لكنهم ينالون من ضوء عين الشمس ما تحيا به أبصارهم،و يستدلون به على حوائجهم فقط،فالكلام كالملك! المحجوب،الغائب وجهه،النافذ أمره،و كالشمس العزيزة الظاهرة مكنون عنصرها،و كالنجوم الزاهرة التي قد يهتدى بها من لا يقف على سيرها،فهو مفتاح الخزائن النفيسة،و شراب الحياة الذي من شرب منه لم يمت،و دواء الأسقام الذي من سقى منه لم يسقم،فهذا الذي ذكره الحكيم نبذة من تفهيم معنى الكلام،و الزيادة عليه لا تليق بعلم المعاملة،فينبغي أن يقتصر عليه
الثاني:التعظيم للمتكلم.
فالقارئ عند البداية بتلاوة القرءان ينبغي أن يحضر في قلبه عظمة المتكلم،و يعلم أن ما يقرؤه ليس من كلام البشر،و أن في تلاوة كلام اللّه عز و جل غاية الخطر،فإنه تعالى قال: (لاٰ يَمَسُّهُ إِلاَّ الْمُطَهَّرُونَ [١]) و كما أن ظاهر جلد المصحف و ورقه محروس عن ظاهر بشرة اللامس إلا إذا كان متطهرا،فباطن معناه أيضا بحكم عزه و جلاله محجوب عن باطن القلب إلا إذا كان متطهرا عن كل رجس و مستنيرا بنور التعظيم و التوقير، و كما لا يصلح لمس جلد المصحف كل يد فلا يصلح لتلاوة حروفه كل لسان،و لا لنيل معانيه كل قلب،و لمثل هذا التعظيم كان عكرمة بن أبي جهل إذا نشر المصحف غشى عليه و يقول:
هو كلام ربي،هو كلام ربي فتعظيم الكلام تعظيم المتكلم،و لن تحضره عظمة المتكلم ما لم يتفكر في صفاته و جلاله و أفعاله،فإذا حضر بباله العرش و الكرسي و السموات و الأرض و ما بينهما من الجن و الانس و الدواب و الأشجار،و علم أن الخالق لجميعها و القادر عليها و الرازق لها واحد،و أن الكل في قبضة قدرته مترددون بين فضله و رحمته و بين نقمته و سطوته،إن أنعم فبفضله،و إن عاقب فبعد له،و أنه الذي يقول:هؤلاء إلى الجنة و لا أبالي،و هؤلاء إلى النار و لا أبالي و هذا غاية العظمة و التعالي،فبالتفكر في أمثال هذا يحضر تعظيم المتكلم ثم تعظيم الكلام
الثالث:حضور القلب و ترك حديث النفس.
قيل في تفسير (يٰا يَحْيىٰ خُذِ الْكِتٰابَ بِقُوَّةٍ [٢])
[١] الواقعة:٧٩
[٢] مريم:١٢