إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٨ - فضيلة التسبيح و التحميد
فان كان قد أنس به تمتع به و تلذذ بانقطاع العوائق الصارفة عنه،إذ ضرورات الحاجات في الحياة الدنيا تصد عن ذكر اللّٰه عز و جل و لا يبقى بعد الموت عائق،فكأنه خلى بينه و بين محبوبه فعظمت غبطته و تخلص من السجن الذي كان ممنوعا فيه عما به أنسه،و لذلك قال صلّى اللّٰه عليه و سلم:[١]«إنّ روح القدس نفث في روعي،أحبب ما أحببت فإنّك مفارقه» أراد به كل ما يتعلق بالدنيا،فان ذلك يفنى في حقه بالموت،فكل من عليها فان و يبقى وجه ربك ذو الجلال و الإكرام،و انما تفنى الدنيا بالموت في حقه إلى أن تفنى في نفسها عند بلوغ الكتاب أجله،و هذا الانس يتلذذ به العبد بعد موته إلى أن ينزل في جوار اللّٰه عز و جل، و يترقى من الذكر إلى اللقاء و ذلك بعد أن يبعثر ما في القبور و يحصل ما في الصدور،و لا ينكر بقاء ذكر اللّٰه عز و جل معه بعد الموت،فيقول انه أعدم فكيف يبقى معه ذكر اللّٰه عز و جل فإنه لم يعدم عدما يمنع الذكر بل عدما من الدنيا و عالم الملك و الشهادة لا من عالم الملكوت، و إلى ما ذكرناه الإشارة بقوله صلّى اللّٰه عليه و سلم[٢]«القبر إمّا حفرة من حفر النّار أو روضة من رياض الجنّة»و بقوله صلّى اللّٰه عليه و سلم:[٣]«أرواح الشّهداء في حواصل طيور خضر» و بقوله صلّى اللّٰه عليه و سلم[٤]لقتلى بدر من المشركين«يا فلان يا فلان»و قد سماهم النبي صلّى اللّٰه عليه و سلم«هل وجدتم ما وعد ربّكم حقّا فإنّى وجدت ما وعدني ربّي حقّا»فسمع عمر رضى اللّٰه عنه قوله صلّى اللّٰه عليه و سلم فقال يا رسول اللّٰه كيف يسمعون و أنّى يجيبون و قد جيفوا،فقال صلّى اللّٰه عليه و سلم«و الّذي نفسي بيده ما أنتم بأسمع لكلامي منهم و لكنّهم لا يقدرون أن يجيبوا»و الحديث في الصحيح هذا قوله عليه السلام في المشركين