إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨٨ - الثاني أن لا يعاون أعداء اللّٰه سبحانه
و في الخبر إشارة إلى جملة أغراض الدنيا التي يتصوّر أن تتصل بالحج،فكل ذلك مما يمنع فضيلة الحج،و يخرجه عن حيز حج الخصوص،لا سيما إذا كان متجردا بنفس الحج بأن يحج لغيره بأجرة فيطلب الدنيا بعمل الآخرة.و قد كره الورعون و أرباب القلوب ذلك إلا أن يكون قصده المقام بمكة و لم يكن له ما يبلغه فلا بأس أن يأخذ ذلك على هذا القصد لا ليتوصل بالدين إلى الدنيا بل بالدنيا إلى الدين.فعند ذلك ينبغي أن يكون قصده زيارة بيت اللّٰه عز و جل و معاونة أخيه المسلم بإسقاط الفرض عنه.و في مثله ينزل قول رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم [١]«يدخل اللّٰه سبحانه بالحجّة الواحدة ثلاثة الجنّة:الموصى بها،و المنفّذ لها،و من حجّ بها عن أخيه »و لست أقول لا تحل الأجرة أو يحرم ذلك بعد أن أسقط فرض الإسلام عن نفسه،و لكن الأولى أن لا يفعل،و لا يتخذ ذلك مكسبه و متجره،فان اللّٰه عز و جل يعطى الدنيا بالدين و لا يعطى الدين بالدنيا.و في الخبر[٢]«مثل الّذي يغز و في سبيل اللّٰه عزّ و جلّ و يأخذ أجرا مثل أمّ موسى عليه السّلام:ترضع ولدها و تأخذ أجرها»فمن كان مثاله في أخذ الأجرة على الحج مثال أم موسى فلا بأس بأخذه،فإنه يأخذ ليتمكن من الحج و الزيارة فيه،و ليس يحج ليأخذ الأجرة بل يأخذ الأجرة ليحج كما كانت تأخذ أم موسى ليتيسر لها الاوضاع بتلبيس حالها عليهم
الثاني:أن لا يعاون أعداء اللّٰه سبحانه
بتسليم المكس،و هم الصادون عن المسجد الحرام من أمراء مكة و الأعراب المترصدين في الطريق،فان تسليم المال إليهم إعانة على الظلم و تيسير لأسبابه عليهم،فهو كالاعانة بالنفس،فليتلطف في حيلة الخلاص،فان لم يقدر فقد قال بعض العلماء و لا بأس بما قاله.إن ترك التنفل بالحج و الرجوع عن الطريق أفضل من إعانة الظلمة،فان هذه بدعة أحدثت،و في الانقياد لها ما يجعلها سنة مطردة،و فيه ذل و صغار على المسلمين ببذل جزية ،و لا معنى لقول القائل إن ذلك يؤخذ منى و أنا مضطر،فإنه لو قعد في البيت أو رجع من الطريق لم يؤخذ منه شيء،بل ربما يظهر أسباب الترفه فتكثر مطالبته،فلو كان في زي الفقراء لم يطالب،فهو الذي ساق نفسه إلى حالة الاضطرار