إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٨ - الوظيفة السابعة أن ينتقى من ماله أجوده
الوظيفة السادسة:أن يستصغر العطية
فإنه إن استعظمها أعجب بها،و العجب من المهلكات و هو محبط للأعمال،قال تعالى: (وَ يَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئاً) [١]و يقال إن الطاعة كلما استصغرت عظمت عند اللّٰه عز و جل،و المعصية كلما استعظمت صغرت عند اللّٰه عز و جل.و قيل:لا يتم المعروف الا بثلاثة أمور:تصغيره،و تعجيله، و ستره .و ليس الاستعظام هو المنّ و الأذى ،فإنه لو صرف ماله إلى عمارة مسجد أو رباط أمكن فيه الاستعظام ،و لا يمكن فيه المنّ و الاذى،بل العجب و الاستعظام يجرى في جميع العبادات و دواؤه علم و عمل،أما العلم فهو أن يعلم أن العشر أو ربع العشر قليل من كثير،و أنه قد قنع لنفسه بأخس درجات البذل كما ذكرناه في فهم الوجوب،فهو جدير بأن يستحيي منه، فكيف يستعظمه و إن ارتقى إلى الدرجة العليا:فبذل كل ماله أو أكثره فليتأمل أنه من أين له المال و إلى ما ذا يصرفه،فالمال للّٰه عز و جل،و له المنة عليه إذ أعطاه و و فقه لبذله،فلم يستعظم في حق اللّٰه تعالى ما هو عين حق اللّٰه سبحانه،و إن كان مقامه يقتضي أن ينظر إلى الآخرة و أنه يبذله للثواب فلم يستعظم بذل ما ينتظر عليه أضعافه.و أما العمل فهو أن يعطيه عطاء الخجل من بخله بإمساك بقية ماله عن اللّٰه عز و جل،فتكون هيئته الانكسار و الحياء، كهيئة من يطالب برد وديعة فيمسك بعضها و يرد البعض،لأن المال كله للّٰه عز و جل،و بذل جميعه هو الأحب عند اللّٰه سبحانه،و إنما لم يأمر به عبده لأنه يشق عليه بسبب بخله،كما قال اللّٰه عز و جل: (فَيُحْفِكُمْ تَبْخَلُوا) . [٢]
الوظيفة السابعة:أن ينتقى من ماله أجوده
و أحبه إليه و أجله و أطيبه،فان اللّٰه تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا،و إذا كان المخرج من شبهة فربما لا يكون ملكا له مطلقا فلا يقع الموقع و في حديث أبان عن أنس بن مالك[١]«طوبى لعبد أنفق من مال اكتسبه من غير معصية» و إذا لم يكن المخرج من جيد المال فهو من سوء الأدب،إذ قد يمسك الجيد لنفسه أو لعبده أو لأهله،فيكون قد آثر على اللّٰه عز و جل غيره،و لو فعل هذا بضيفه و قدم إليه أردأ طعام
[١] التوبة:٢٥
[٢] محمد:٣٧