إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠٠ - و أما الوقوف بعرفة
و أما الاستلام:
فاعتقد عنده أنك مبايع للّٰه عز و جل على طاعته،فصمم عزيمتك على الوفاء ببيعتك،فمن غدر في المبايعة استحق المقت .و قد روى ابن عباس رضى اللّه عنه عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم[١]أنه قال«الحجر الأسود يمين اللّه عزّ و جلّ في الأرض يصافح بها خلقه كما يصافح الرّجل أخاه »
و أما التعلق بأستار الكعبة و الالتصاق بالملتزم .
فلتكن نيتك في الالتزام طلب القرب حبا و شوقا للبيت و لرب البيت،و تبركا بالمماسة،و رجاء للتحصن عن النار في كل جزء من بدنك لا في البيت.و لتكن نيتك في التعلق بالستر الإلحاح في طلب المغفرة و سؤال الأمان، كالمذنب المتعلق بثياب من أذنب إليه المتضرع إليه في عفوه عنه المظهر له أنه لا ملجأ له منه إلا إليه،و لا مفزع له إلا كرمه و عفوه،و أنه لا يفارق ذيله إلا بالعفو و بذل الأمن في المستقبل
و أما السعي بين الصفا و المروة في فناء البيت:
فإنه يضاهي تردد العبد بفناء دار الملك جائيا و ذاهبا مرة بعد أخرى،إظهارا للخلوص في الخدمة،و رجاء للملاحظة بعين الرحمة، كالذي دخل على الملك و خرج و هو لا يدرى ما الذي يقضى به الملك في حقه من قبول أورد، فلا يزال يتردد على فناء الدار مرة بعد أخرى يرجو أن يرحم في الثانية إن لم يرحم في الأولى.
و ليتذكر عند تردده بين الصفا و المروة تردده بين كفتي الميزان في عرصات القيامة،و ليمثل الصفا بكفة الحسنات و المروة بكفة السيئات .و ليتذكر تردده بين الكفتين ناظرا إلى الرجحان و النقصان مترددا بين العذاب و الغفران
و أما الوقوف بعرفة:
فاذكر بما ترى من ازدحام الخلق و ارتفاع الأصوات،و اختلاف اللغات ،و اتباع الفرق أئمتهم في الترددات على المشاعر،اقتفاء لهم،و سيرا بسيرهم،عرصات القيامة،و اجتماع الأمم مع الأنبياء و الأئمة،و اقتفاء كل أمة نبيها،و طمعهم في شفاعتهم و تحيرهم في ذلك الصعيد الواحد بين الرد و القبول.و إذا تذكرت ذلك فالزم قلبك الضراعة و الابتهال إلى اللّه عز و جل،فتحشر في زمرة الفائزين المرحومين.و حقق رجاءك بالإجابة فالموقف شريف،و الرحمة إنما تصل من حضرة الجلال إلى كافة الخلق بواسطة القلوب العزيزة من أوتاد الأرض.و لا ينفك الموقف عن طبقة من الأبدال و الأوتاد،و طبقة من الصالحين و أرباب القلوب.فإذا اجتمعت هممهم و تجردت للضراعة و الابتهال قلوبهم ،