إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٠ - فالأوّل فهم عظمة الكلام و علوّه
الذي هو صفة قديمة قائمة بذاته إلى أفهام خلقه،و كيف تجلت لهم تلك الصفة في طى حروف و أصوات هي صفات البشر،إذ يعجز البشر عن الوصول إلى فهم صفات اللّه عز و جل إلا بوسيلة صفات نفسه.و لو لا استتار كنه جلالة كلامه بكسوة الحروف لما ثبت لسماع الكلام عرش و لا ثرى،و لتلاشى ما بينهما من عظمة سلطانه و سبحات نوره،و لو لا تثبيت اللّه عز و جل لموسى عليه السلام لما أطاق لسماع كلامه كما لم يطق الجبل مبادى تجليه حيث صار دكا،و لا يمكن تفهيم عظمة الكلام إلا بأمثلة،على حدّ فهم الخلق.و لهذا عبر بعض العارفين عنه فقال:
إن كل حرف من كلام اللّه عز و جل في اللوح المحفوظ أعظم من جبل قاف،و إن الملائكة عليهم السلام لو اجتمعت على الحرف الواحد أن يقلوه ما أطاقوه،حتى يأتي إسرافيل عليه السلام و هو ملك اللوح فيرفعه فيقله بإذن اللّه عز و جل و رحمته لا بقوته و طاقته،و لكن اللّه عز و جل طوقه ذلك و استعمله به و لقد تأنق بعض الحكماء في التعبير عن وجه اللطف في إيصال معانى الكلام مع علو درجته إلى فهم الإنسان و تثبيته مع قصور رتبته،و ضرب له مثلا لم يقصر فيه،و ذلك أنه دعا بعض الملوك حكيم إلى شريعة الأنبياء عليهم السلام،فسأله الملك عن أمور فأجاب بما لا يحتمله فهمه،فقال الملك:أ رأيت ما تأتي به الأنبياء إذا ادعت أنه ليس بكلام الناس و أنه كلام اللّه عز و جل فكيف يطيق الناس حمله؟فقال الحكيم:إنا رأينا الناس لما أرادوا أن يفهموا بعض الدواب و الطير ما يريدون من تقديمها و تأخيرها و إقبالها و ادبارها،و رأوا الدواب يقصر تمييزها عن فهم كلامهم الصادر عن أنوار عقولهم مع حسنه و تزيينه و بديع نظمه، فنزلوا إلى درجة تمييز البهائم،و أوصلوا مقاصدهم إلى بواطن البهائم بأصوات يضعونها لائقة بهم من النقر و الصفير و الأصوات القريبة من أصواتها لكي يطيقوا حملها،و كذلك الناس يعجزون عن حمل كلام اللّه عز و جل بكنهه و كمال صفاته،فصاروا بما تراجعوا بينهم من الأصوات التي سمعوا بها الحكمة كصوت النقر و الصفير الذي سمعت بالدواب من الناس، و لم يمنع ذلك معانى الحكمة المخبوءة في تلك الصفات من أن شرف الكلام أي الأصوات لشرفها و عظم لتعظيمها،فكان الصوت للحكمة جسدا و مسكنا،و الحكمة للصوت نفسا و روحا فكما أن أجساد البشر تكرم و تعز لمكان الروح فكذلك أصوات الكلام تشرف للحكمة التي فيها،