إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٨ - الثامن التأثر
الواحد مقصود،فما له و لسائر الناس؟فليقدر أنه المقصود قال تعالى (وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ [١]) قال محمد بن كعب القرظي:من بلغه القرءان فكأنما كلمه اللّٰه و إذا قدر ذلك لم يتخذ دراسة القرءان عمله،بل يقرؤه كما يقرأ العبد كتاب مولاه الذي كتبه اليه ليتأمله و يعمل بمقتضاه،و لذلك قال بعض العلماء:هذا القرءان رسائل أتتنا من قبل ربنا عز و جل بعهوده،نتدبرها في الصلوات،و نقف عليها في الخلوات،و ننفذها في الطاعات و السنن المتبعات.و كان مالك بن دينار يقول:ما زرع القرءان في قلوبكم يا أهل القرءان؟ إن القرءان ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض.و قال قتادة:لم يجالس أحد هذا القرءان إلا قام بزيادة أو نقصان،قال اللّٰه تعالى: (هُوَ شِفٰاءٌ وَ رَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ لاٰ يَزِيدُ الظّٰالِمِينَ إِلاّٰ خَسٰاراً [٢])
الثامن:التأثر
،و هو أن يتأثر قلبه بآثار مختلفة بحسب اختلاف الآيات،فيكون له بحسب كل فهم حال و وجد يتصف به قلبه من الحزن و الخوف و الرجاء و غيره،و مهما تمت معرفته كانت الخشية أغلب الأحوال على قلبه،فان التضييق غالب على آيات القرءان،فلا يرى ذكر المغفرة و الرحمة إلا مقرونا بشروط يقصر العارف عن نيلها،كقوله عز و جل (وَ إِنِّي لَغَفّٰارٌ [٣]) ثم أتبع ذلك بأربعة شروط (لِمَنْ تٰابَ وَ آمَنَ وَ عَمِلَ صٰالِحاً ثُمَّ اهْتَدىٰ [٤]) و قوله تعالى (وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَ عَمِلُوا الصّٰالِحٰاتِ وَ تَوٰاصَوْا بِالْحَقِّ وَ تَوٰاصَوْا بِالصَّبْرِ [٥]) ذكر أربعة شروط،و حيث اقتصر ذكر شرطا جامعا فقال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللّٰهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ [٦]) فالاحسان يجمع الكل.و هكذا من يتصفح القرءان من أوّله إلى آخره و من فهم ذلك.فجدير بأن يكون حاله الخشية و الحزن،و لذلك قال الحسن:و اللّٰه ما أصبح اليوم عبد يتلو القرءان يؤمن به إلا كثر حزنه و قلّ فرحه،و كثر بكاؤه و قلّ ضحكه، و كثر نصبه و شغله،و قلت راحته و بطالته و قال وهيب بن الورد:نظرنا في هذه الأحاديث و المواعظ فلم نجد شيئا أرق للقلوب و لا أشد استجلابا للحزن من قراءة القرءان و تفهمه و تدبره،فتأثر العبد بالتلاوة أن يصير بصفة الآية المتلوة فعند الوعيد و تقييد المغفرة بالشروط يتضاءل من خيفته كأنه يكاد يموت،و عند التوسع و وعد المغفرة يستبشر كأنه يطير من الفرح،و عند ذكر اللّٰه و صفاته و أسمائه يتطأطأ خضوعا لجلاله و استشعارا لعظمته
[١] الانعام:١٩
[٢] الإسراء:٨٢
[٣] طه:٨٢
[٤] طه:٨٢
[٥] العصر
[٦] الأعراف:٥٦