إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٧ - أحدهما أن يكون له في الشيء رأى
و الثاني:أن الصحابة و المفسرين اختلفوا في تفسير بعض الآيات.
فقالوا فيها أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها،و سماع جميعها من رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم محال،و لو كان الواحد مسموعا لردّ الباقي فتبين على القطع أن كل مفسر قال في المعنى بما ظهر له باستنباطه،حتى قالوا في الحروف التي في أوائل السور سبعة أقاويل مختلفة لا يمكن الجمع بينها فقيل إن(الر)هي حروف من الرحمن و قيل:إن الألف اللّٰه،و اللام لطيف،و الراء رحيم،و قيل غير ذلك،و الجمع بين الكل غير ممكن،فكيف يكون الكل مسموعا
و الثالث:أنه صلّى اللّٰه عليه و سلم[١]دعا لابن عباس رضى اللّٰه عنه
و قال:«اللّهمّ فقّهه في الدّين و علّمه التّأويل»فان كان التأويل مسموعا كالتنزيل و محفوظا مثله فما معنى تخصيصه بذلك
و الرابع:أنه قال عز و جل
(لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ [١]) فأثبت لأهل العلم استنباطا و معلوم أنه وراء السماع،و جملة ما نقلناه من الآثار في فهم القرءان يناقض هذا الخيال،فبطل أن يشترط السماع في التأويل و جاز لكل واحد أن يستنبط من القرءان بقدر فهمه و حد عقله
و أما النهى فإنه ينزل على أحد وجهين.
أحدهما:أن يكون له في الشيء رأى
،و إليه ميل من طبعه و هواه،فيتأوّل القرءان على وفق رأيه و هواه ليحتج على تصحيح غرضه،و لو لم يكن له ذلك الرأي و الهوى لكان لا يلوح له من القرءان ذلك المعنى،و هذا تارة يكون مع العلم كالذي يحتج ببعض آيات القرءان على تصحيح بدعته،و هو يعلم أنه ليس المراد بالآية ذلك و لكن يلبس به على خصمه،و تارة يكون مع الجهل،و لكن إذا كانت الآية محتملة فيميل فهمه إلى الوجه الذي يوافق غرضه و يرجح ذلك الجانب برأيه و هواه فيكون قد فسر برأيه،أي أيه هو الذي حمله على ذلك التفسير،و لو لا رأيه لما كان يترجح عنده ذلك الوجه،و تارة قد يكون له غرض صحيح فيطلب له دليلا من القرءان،و يستدل عليه بما يعلم أنه ما أريد به كمن يدعو إلى الاستغفار بالأسحار فيستدل بقوله صلّى اللّٰه عليه و سلم[٢]«تسحّروا فإنّ في السّحور بركة»و يزعم أن المراد به التسحر بالذكر،و هو يعلم أن المراد به الأكل،و كالذي يدعو إلى مجاهدة القلب القاسي
[١] النساء:٨٣