إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٨ - و أما الإحرام و التلبية من الميقات
لا إدلالا بأعماله في الارتحال و مفارقة الأهل و المال،و لكن ثقة بفضل اللّه عز و جل و رجاء لتحقيقه وعده لمن زار بيته و ليرج أنه إن لم يصل إليه و أدركته المنية في الطريق لقى اللّه عز و جل وافدا إليه إذ قال جل جلاله (وَ مَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهٰاجِراً إِلَى اللّٰهِ وَ رَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللّٰهِ [١])
و أما دخول البادية إلى الميقات
و مشاهدة تلك العقبات:فليتذكر فيها ما بين الخروج من الدنيا بالموت إلى ميقات يوم القيامة و ما بينهما من الأهوال و المطالبات.و ليتذكر من هول قطاع الطريق هول سؤال منكر و نكير،و من سباع البوادي عقارب القبر و ديدانه و ما فيه من الأفاعي و الحيات،و من انفراده عن أهله و أقاربه وحشة القبر و كربته و وحدته و ليكن في هذه الخاوف في أعماله و أقواله متزودا لمخاوف القبر
و أما الإحرام و التلبية من الميقات:
فليعلم أن معناه إجابة نداء اللّه عز و جل،فارج أن تكون مقبولا،و أخش أن يقال لك:لا لبيك و لا سعديك.فكن بين الرجاء و الخوف مترددا، و عن حولك و قوّتك متبرئا،و على فضل اللّه عز و جل و كرمه متكلا،فان وقت التلبية هو بداية الأمر و هي محل الخطر.قال سفيان بن عيينة:حج على بن الحسين رضى اللّه عنهما فلما أحرم و استوت به راحلته اصفرّ لونه و انتفض و وقعت عليه الرعدة و لم يستطع أن يلبي، فقيل له:لم لا تلبي؟فقال:أخشى أن يقال لي لا لبيك و لا سعديك،فلما لبى غشى عليه و وقع عن راحلته،فلم يزل يعتريه ذلك حتى قضى حجه .و قال أحمد بن أبي الحواري:كنت مع أبي سليمان الدارنى رضى اللّه عنه حين أراد الإحرام فلم يلب حتى سرنا ميلا فأخذته الغشية ثم أفاق و قال.يا أحمد إن اللّه سبحانه أوحى إلى موسى عليه السلام:مر ظلمة بني إسرائيل أن يقلوا من ذكرى فانى أذكر من ذكرني منهم باللعنة، ويحك يا أحمد:بلغني أن من حج من غير حله ثم لبى قال اللّه عز و جل لا لبيك و لا سعديك حتى ترد ما في يديك،فما نأمن أن يقال لنا ذلك !و ليتذكر الملبي عند رفع الصوت بالتلبية في الميقات إجابته لنداء اللّه عز و جل،إذ قال : (وَ أَذِّنْ فِي النّٰاسِ بِالْحَجِّ [٢]) و نداء الخلق بنفخ الصور،و حشرهم من القبور،و ازدحامهم في عرصات القيامة مجيبين لنداء اللّه سبحانه،و منقسمين إلى مقربين و ممقوتين،و مقبولين و مردودين،و مترددين في أول الأمر بين الخوف و الرجاء تردد الحاج في الميقات حيث لا يدرون أ يتيسر لهم إتمام الحج و قبوله أم لا
[١] النساء:١٠٠
[٢] الحج:٢٧