إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٥٧ - فضيلة التسبيح و التحميد
فاعلم أن تحقيق هذا لا يليق إلا بعلم المكاشفة،و القدر الذي يسمح بذكره في علم المعاملة أن المؤثر النافع هو الذكر على الدوام مع حضور القلب،فاما الذكر باللسان و القلب لاه فهو قليل الجدوى،و في الأخبار ما يدل عليه أيضا[١]و حضور القلب في لحظه بالذكر و الذهول عن اللّٰه عز و جل مع الاشتغال بالدنيا أيضا قليل الجدوى،بل حضور القلب مع اللّٰه تعالى على الدوام أو في أكثر الأوقات هو المقدم على العبادات بل به تشرف سائر العبادات، و هو غاية ثمرة العبادات العملية،و للذكر اول و آخر،فأوله يوجب الانس و الحب،و آخره يوجبه الانس و الحب و يصدر عنه،و المطلوب ذلك الانس و الحب،فان المريد في بداية أمره قد يكون متكلفا بصرف قلبه و لسانه عن الوسواس إلى ذكر اللّٰه عز و جل،فان وفق للمداومة أنس به و انغرس في قلبه حب المذكور،و لا ينبغي أن يتعجب من هذا فان من المشاهد في العبادات أن تذكر غائبا غير مشاهد بين يدي شخص و تكرر ذكر خصاله عنده فيحبه،و قد يعشق بالوصف و كثرة الذكر،ثم إذا عشق بكثرة الذكر المتكلف أولا صار مضطرا إلى كثرة الذكر آخرا بحيث لا يصبر عنه،فإن من أحب شيئا أكثر من ذكره،و من أكثر ذكر شيء و أن كان تكلفا أحبه،فكذلك أول الذكر متكلف إلى أن يثمر الانس بالمذكور و الحب له،ثم يمتنع الصبر عنه آخرا فيصير الموجب موجبا و الثمر مثمرا،و هذا معنى قول بعضهم كابدت القرءان عشرين سنة،ثم تنعمت به عشرين سنة، و لا يصدر التنعم إلا من الانس و الحب و لا يصدر الأنس إلا من المداومة على المكابدة و التكلف مدة طويلة حتى يصير التكلف طبعا،فكيف يستبعد هذا؟و قد يتكلف الإنسان تناول طعام يستبشعه أولا،و يكابد أكله،و يواظب عليه فيصير موافقا لطبعه حتى لا يصبر عنه،
فالنفس معتادة متحملة لما تتكلف هي النفس ما عودتها تتعود
أي ما كلفتها أولا يصير لها طبعا آخرا،ثم إذا حصل الأنس بذكر اللّٰه سبحانه انقطع من غير ذكر اللّٰه،و ما سوى اللّٰه عز و جل هو الذي يفارقه عند الموت،فلا يبقى معه في القبر أهل و لا مال و لا ولد و لا ولاية،و لا يبقى إلا ذكر اللّٰه عز و جل