إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٥ - أوّلها أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف
و أما أحوال الأنبياء عليهم السلام:فإذا سمع منها أنهم كيف كذبوا و ضربوا و قتل بعضهم فليفهم منه صفة الاستغناء للّٰه عز و جل من الرسل و المرسل إليهم،و أنه لو أهلك جميعهم لم يؤثر في ملكه شيئا،و إذا سمع نصرتهم في آخر الأمر فليفهم قدرة اللّٰه عز و جل و إرادته لنصرة الحق و أما أحوال المكذبين:كعاد و ثمود و ما جرى عليهم،فليكن فهمه منه استشعار الخوف من سطوته و نقمته،و ليكن حظه منه الاعتبار في نفسه و أنه إن غفل و أساء الأدب و اغتر بما أمهل فربما تدركه النقمة و تنفذ فيه القضية،و كذلك إذا سمع وصف الجنة و النار و سائر ما في القرءان،فلا يمكن استقصاء ما يفهم منها لأن ذلك لا نهاية له،و إنما لكل عبد منه بقدر رزقه،فلا رطب و لا يابس إلا في كتاب مبين. قُلْ لَوْ كٰانَ الْبَحْرُ مِدٰاداً لِكَلِمٰاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ كَلِمٰاتُ رَبِّي وَ لَوْ جِئْنٰا بِمِثْلِهِ مَدَداً [١]) و لذلك قال علىّ رضى اللّٰه عنه لو شئت لأوقرت سبعين بعيرا من تفسير فاتحة الكتاب.فالغرض مما ذكرناه التنبيه على طريق التفهيم لينفتح بابه،فأما الاستقصاء فلا مطمع فيه،و من لم يكن له فهم ما في القرءان و لو في أدنى الدرجات دخل في قوله تعالى: وَ مِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتّٰى إِذٰا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قٰالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مٰا ذٰا قٰالَ آنِفاً أُولٰئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللّٰهُ عَلىٰ قُلُوبِهِمْ [٢]) و الطابع هي الموانع التي سنذكرها في موانع الفهم،و قد قيل:لا يكون المريد مريدا حتى يجد في القرءان كل ما يريد،و يعرف منه النقصان من المزيد،و يستغنى بالمولى عن العبيد
السادس:التخلي عن موانع الفهم
،فان أكثر الناس منعوا عن فهم معانى القرءان لأسباب و حجب أسدلها الشيطان على قلوبهم فعميت عليهم عجائب أسرار القرءان قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[١]«لو لا أنّ الشّياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى الملكوت» معانى القرءان من جملة الملكوت،و كل ما غاب عن الحواس و لم يدرك إلا بنور البصير فهو من الملكوت و حجب الفهم أربعة.
أوّلها:أن يكون الهم منصرفا إلى تحقيق الحروف
بإخراجها من مخارجها،و هذا يتولى حفظه شيطان و كلّ بالقرّاء ليصرفهم عن فهم معانى كلام اللّٰه عز و جل،فلا يزال يحملهم على ترديد الحرف يخيل إليهم أنه لم يخرج من مخرجه،فهذا يكون تأمله مقصودا على مخارج الحروف
[١] الكهف:١٠٩
[٢] محمد:١٦