إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٥٧ - فضيلة المدينة الشريفة على سائر البلاد
و الحديث إنما ورد في المساجد.و ليس في معناها المشاهد،لأن المساجد بعد المساجد الثلاثة متماثلة، و لا بلد إلا و فيه مسجد فلا معنى للرحلة إلى مسجد آخر.و أما المشاهد فلا تتساوى،بل بركة زيارتها على قدر درجاتهم عند اللّه عز و جل،نعم لو كان في موضع لا مسجد فيه فله أن يشد الرحال إلى موضع فيه مسجد،و ينتقل إليه بالكلية إن شاء ثم ليت شعري هل يمنع هذا القائل من شد الرحال إلى قبور الأنبياء عليهم السلام:
مثل إبراهيم و موسى و يحيي و غيرهم عليهم السلام!فالمنع من ذلك في غاية الاحالة،فإذا جوز هذا فقبور الأولياء و العلماء و الصلحاء في معناها،فلا يبعد أن يكون ذلك من أغراض الرحلة،كما أن زيارة العلماء في الحياة من المقاصد هذا في الرحلة أما المقام فالأولى بالمريد أن يلازم مكانه إذا لم يكن قصده من السفر استفادة العلم مهما سلم له حاله في وطنه،فان لم يسلم فيطلب من المواضع ما هو أقرب إلى الخمول و أسلم للدين و أفرغ للقلب و أيسر للعبادة،فهو أفضل المواضع له،قال صلّى اللّه عليه و سلم[١]«البلاد بلاد اللّه عزّ و جلّ و الخلق عباده فأيّ موضع رأيت فيه رفقا فأقم و أحمد اللّه تعالى » و في الخبر:[٢]«من بورك له في شيء فليلزمه و من جعلت معيشته في شيء فلا ينتقل عنه حتّى يتغيّر عليه» و قال أبو نعيم :رأيت سفيان الثوري و قد جعل جرابه على كتفه و أخذ نعليه بيده،فقلت إلى أين يا أبا عبد اللّه؟قال:إلى بلد أملا فيه جرابي بدرهم.و في حكاية أخرى بلغني عن قرية فيها رخص أقيم فيها،قال:فقلت و تفعل هذا يا أبا عبد اللّه؟فقال نعم إذا سمعت برخص في بلد فاقصده فإنه أسلم لدينك و أقل لهمك.و كان يقول:هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخاملين فكيف بالمشهورين؟هذا زمان تنقل ينتقل الرجل من قرية إلى قرية يفر بدينه من الفتن