إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٩ - و أما الطواف بالبيت
و أما دخول مكة:
فليتذكر عندها أنه قد انتهى إلى حرم اللّه تعالى آمنا،و ليرج عنده أن يأمن بدخوله من عقاب اللّه عز و جل،و ليخش أن لا يكون أهلا للقرب فيكون بدخوله الحرم خائبا و مستحقا للمقت،و ليكن رجاؤه في جميع الأوقات غالبا،فالكرم عميم ،و الرب رحيم،و شرف البيت عظيم،و حق الزائر مرعى،و ذمام المستجير اللائذ غير مضيع
و أما وقوع البصر على البيت.
فينبغي أن يحضر عنده عظمة البيت في القلب،و يقدر كأنه مشاهد لرب البيت لشدة تعظيمه إياه،و ارج أن يرزقك اللّه تعالى النظر إلى وجهه الكريم كما رزقك اللّه النظر إلى بيته العظيم.و اشكر اللّه تعالى على تبليغه إياك هذه الرتبة و إلحاقه إياك بزمرة الوافدين عليه،و اذكر عند ذلك انصباب الناس في القيامة إلى جهة الجنة آملين لدخولها كافة،ثم انقسامهم إلى مأذونين في الدخول و مصروفين،انقسام الحاج إلى مقبولين و مردودين.و لا تغفل عن تذكر أمور الآخرة في شيء مما تراه،فان كل أحوال الحاج دليل على أحوال الآخرة
و أما الطواف بالبيت:
فاعلم أنه صلاة فاحضر في قلبك فيه من التعظيم و الخوف و الرجاء و المحبة ما فصلناه في كتاب الصلاة.و اعلم أنك بالطواف متشبه بالملائكة المقربين الحافين حول العرش الطائفين حوله،و لا تظنن أن المقصود طواف جسمك بالبيت،بل المقصود طواف قلبك بذكر رب البيت،حتى لا تبتدئ الذكر إلا منه و لا تختم إلا به كما تبتدئ الطواف من البيت و تختم بالبيت.و اعلم أن الطواف الشريف هو طواف القلب بحضرة الربوبية،و أن البيت مثال ظاهر في عالم الملك لتلك الحضرة التي لا تشاهد بالبصر و هي عالم الملكوت،كما أن البدن مثال ظاهر في عالم الشهادة للقلب الذي لا يشاهد بالبصر و هو في عالم الغيب،و أن عالم الملك و الشهادة مدرجة إلى عالم الغيب و الملكوت لمن فتح اللّه له الباب .و إلى هذه الموازنة وقعت الإشارة بأن البيت المعمور في السموات بإزاء الكعبة، فان طواف الملائكة به كطواف الأنس بهذا البيت .و لما قصرت رتبة أكثر الخلق عن مثل ذلك الطواف أمروا بالتشبه بهم بحسب الإمكان،و وعدوا بأن[١]«من تشبّه بقوم فهو منهم »و الذي يقدر على مثل ذلك الطواف هو الذي يقال إن الكعبة تزوره و تطوف به،على ما رآه بعض المكاشفين لبعض أولياء اللّه سبحانه و تعالى