إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٩٥ - و أما الشوق
و أكد حرمة الموضع بتحريم صيده و شجره،و وضعه على مثال حضرة الملوك يقصده الزوار من كل فج عميق و من كل أوب سحيق،شعثا غبرا متواضعين لرب البيت، و مستكينين له خضوعا لجلاله و استكانة لعزته،مع الاعتراف بتنزيهه عن أن يحويه بيت أو يكتنفه بلد،ليكون ذلك أبلغ في رقهم و عبوديتهم،و أتم في إذعانهم و انقيادهم،و لذلك وظف عليهم فيها أعمالا لا تأنس بها النفوس،و لا تهتدى إلى معانيها العقول:كرمى الجمار بالأحجار،و التردد بين الصفا و المروة على سبيل التكرار.و بمثل هذه الأعمال يظهر كمال الرق و العبودية،فان الزكاة ارفاق ،و وجهه مفهوم،و للعقل إليه ميل.و الصوم كسر للشهوة التي هي آلة عدو اللّٰه،و تفرغ للعبادة بالكف عن الشواغل ،و الركوع و السجود في الصلاة تواضع للّٰه عز و جل بأفعال هي هيئة التواضع،و للنفوس أنس بتعظيم اللّٰه عز و جل.فأما ترددات السعي و رمي الجمار و أمثال هذه الأعمال فلا حظ للنفوس و لا أنس للطبع فيها، و لا اهتداء للعقل إلى معانيها،فلا يكون في الاقدام عليها باعث إلا الأمر المجرد،و قصد الامتثال للأمر من حيث إنه أمر واجب الاتباع فقط،و فيه عزل للعقل عن تصرفه و صرف النفس و الطبع عن محل أنسه،فان كل ما أدرك العقل معناه مال الطبع إليه ميلا ما،فيكون ذلك الميل معينا للأمر و باعثا معه على الفعل،فلا يكاد يظهر به كمال الرق و الانقياد.و لذلك قال صلّى اللّٰه عليه و سلم في الحج على الخصوص[١]«لبيك بحجّة حقّا تعبّدا و رقّا»و لم يقل ذلك في صلاة و لا غيرها و إذا اقتضت حكمة اللّٰه سبحانه و تعالى ربط نجاة الخلق بأن تكون أعمالهم على خلاف هوى طباعهم،و أن يكون زمامها بيد الشرع،فيترددون في أعمالهم على سنن الانقياد،و على مقتضى الاستعباد و كان ما لا يهتدى إلى معانيه أبلغ أنواع التعبدات في تزكية النفوس و صرفها عن مقتضى الطباع و الأخلاق إلى مقتضى الاسترقاق.و إذا تفطنت لهذا فهمت أن تعجب النفوس من هذه الافعال العجيبة مصدره الذهول عن أسرار التعبدات.و هذا القدر كاف في تفهم أصل الحج إن شاء اللّٰه تعالى
و أما الشوق:
فإنما ينبعث بعد الفهم و التحقق بأن البيت بيت اللّٰه عز و جل،و أنه وضع على مثال حضرة الملوك،فقاصده قاصد إلى اللّٰه عز و جل و زائر له،و إن من قصد البيت في الدنيا جدير بأن لا يضيع زيارته،فيرزق مقصود الزيارة في ميعاده المضروب له،و هو النظر إلى وجه اللّٰه الكريم في دار القرار من حيث إن العين القاصرة الفانية في دار الدنيا