إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٩ - بيان الأفضل من أخذ الصدقة و الزكاة
و قال أيضا ليوسف بن أسباط:إذا أوليتك معروفا كنت أنا أسر به منك و رأيت ذلك نعمة من اللّٰه عز و جل على فاشكر و إلا فلا تشكر و دقائق هذه المعاني ينبغي أن يلحظها من يراعى قلبه،فإن أعمال الجوارح مع إهمال هذه الدقائق ضحكة للشيطان،و شماتة له لكثرة التعب و قلة النفع.و مثل هذا العلم هو الذي يقال فيه إن تعلم مسألة واحدة منه أفضل من عبادة سنة،إذ بهذا العلم تحيا عبادة العمر، و بالجهل به تموت عبادة العمر كله،و تتعطل و على الجملة فالأخذ في الملإ و الرد في السر أحسن المسالك و أسلمها،فلا ينبغي أن يدفع بالتزويقات إلا أن تكمل المعرفة بحيث يستوي السر و العلانية،و ذلك هو الكبريت الأحمر الذي يتحدث به و لا يرى.نسأل اللّٰه الكريم حسن العون و التوفيق
بيان الأفضل من أخذ الصدقة و الزكاة
كان إبراهيم الخواص و الجنيد و جماعة يرون أن الأخذ من الصدقة أفضل،فان في أخذ الزكاة مزاحمة للمساكين و تضييقا عليهم،و لأنه ربما لا يكمل في أخذه صفة الاستحقاق كما وصف في الكتاب العزيز،و أما الصدقة فالأمر فيها أوسع ،و قال قائلون بأخذ الزكاة دون الصدقة لأنها إعانة على الواجب و لو ترك المساكين كلهم أخذ الزكاة لأثموا،و لأن الزكاة لا منة فيها،و إنما هو حق واجب للّٰه سبحانه رزقا لعباده المحتاجين،و لأنه أخذ بالحاجة، و الإنسان يعلم حاجة نفسه قطعا و أخذ الصدقة أخذ بالدين،فإن الغالب أن المتصدق يعطى من يعتقد فيه خيرا و لأن مرافقة المساكين أدخل في الذل و المسكنة و أبعد من التكبر إذ قد يأخذ الإنسان الصدقة في معرض الهدية فلا تتميز عنه و هذا تنصيص على ذل الآخذ و حاجته و القول الحق في هذا أن هذا يختلف بأحوال الشخص و ما يغلب عليه و ما يحضره من النية،فان كان في شبهة من اتصافه بصفة الاستحقاق فلا ينبغي أن يأخذ الزكاة،فإذا علم أنه مستحق قطعا كما إذا حصل عليه دين صرفه إلى خير و ليس له وجه في قضائه فهو مستحق قطعا،فإذا خير هذا بين الزكاة و بين الصدقة،فإذا كان صاحب الصدقة لا يتصدق بذلك المال