إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٨ - الرابع أن الإظهار إقامة لسنة الشكر
و معيار ذلك و محكه أن ينظر إلى ميل نفسه إلى الشكر حيث لا ينتهى الخبر إلى المعطى، و لا إلى من يرغب في عطائه،و بين يدي جماعة يكرهون إظهار العطية و يرغبون في اخفائها،و عادتهم أنهم لا يعطون الا من يخفى و لا يشكر،فان استوت هذه الأحوال عنده فليعلم أن باعثه هو إقامة السنة في الشكر و التحدث بالنعمة،و إلا فهو مغرور ثم إذا علم أن باعثه السنة في الشكر فلا ينبغي أن يغفل عن قضاء حق المعطى فينظر:
فإن كان هو ممن يحب الشكر و النشر فينبغي أن يخفى و لا يشكر،لأن قضاء حقه أن لا ينصره على الظلم،و طلبه الشكر ظلم و إذا علم من حاله أنه لا يحب الشكر و لا يقصده فعند ذلك يشكره و يظهر صدقته.
و لذلك قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[١]للرجل الذي مدح بين يديه:«ضربتم عنقه ،لو سمعها ما أفلح»مع أنه صلّى اللّٰه عليه و سلم كان يثنى على قوم في وجوههم لثقته بيقينهم و علمه بأن ذلك لا يضرهم بل يزيد في رغبتهم في الخير فقال لواحد [٢]«إنّه سيّد أهل الوبر»و قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[٣]في آخر«إذا جاءكم كريم قوم فأكرموه»و سمع كلام رجل فأعجبه فقال صلّى اللّٰه عليه و سلم[٤]«إنّ من البيان لسحرا»و قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[٥]«إذا علم أحدكم من أخيه خيرا فليخبره فإنّه يزداد رغبة في الخير »و قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[٦] «إذا مدح المؤمن ربا الإيمان في قلبه»و قال الثوري:من عرف نفسه لم يضره مدح الناس