إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٣٢ - الثالثة أن يرى في الكلام المتكلم
التاسع الترقي:
و أعنى به أن يترقى إلى أن يسمع الكلام من اللّٰه عز و جل لا من نفسه فدرجات القراءة ثلاث:
أدناها:أن يقدر العبد كأنه يقرؤه على اللّٰه عز و جل
،واقفا بين يديه،و هو ناظر إليه و مستمع منه،فيكون حاله عند هذا التقدير السؤال و التملق و التضرع و الابتهال
الثانية:أن يشهد بقلبه كأن اللّٰه عز و جل يراه
و يخاطبه بألطافه،و يناجيه بانعامه و إحسانه فمقامه الحياء و التعظيم و الإصغاء و الفهم
الثالثة:أن يرى في الكلام المتكلم
،و في الكلمات الصفات،فلا ينظر إلى نفسه و لا إلى قراءته و لا إلى تعلق الأنعام به من حيث إنه منعم عليه بل يكون مقصور الهم على المتكلم موقوف الفكر عليه كأنه مستغرق بمشاهدة المتكلم عن غيره،و هذه درجة المقربين و ما قبله درجة أصحاب اليمين،و ما خرج عن هذا فهو درجات الغافلين.و عن الدرجة العليا أخبر جعفر بن محمد الصادق رضى اللّٰه عنه قال:و اللّٰه لقد تجلى اللّٰه عز و جل لخلقه في كلامه و لكنهم لا يبصرون!و قال أيضا.و قد سألوه عن حالة لحقته في الصلاة حتى خر مغشيا عليه فلما سرى عنه قيل له في ذلك فقال:ما زلت أردد الآية على قلبي حتى سمعتها من المتكلم بها،فلم يثبت جسمى لمعاينة قدرته.ففي مثل هذه الدرجة تعظم الحلاوة و لذة المناجاة.و لذلك قال بعض الحكماء:كنت أقرأ القرءان فلا أجد له حلاوة حتى تلوته كأنى أسمعه من رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم يتلو على أصحابه،ثم رفعت إلى مقام فوقه فكنت أتلوه كأنى أسمعه من جبريل عليه السلام يلقيه على رسول اللّٰه صلّى اللّٰه عليه و سلم،ثم جاء اللّٰه بمنزلة أخرى فأنا الآن أسمعه من المتكلم به،فعندها وجدت له لذة و نعيما لا أصبر عنه.و قال عثمان و حذيفة رضى اللّٰه عنهما:لو طهرت القلوب لم تشبع من قراءة القرءان.و إنما قالوا ذلك لأنها بالطهارة تترقى إلى مشاهدة المتكلم في الكلام.و لذلك قال ثابت البناني:كابدت القرءان عشرين سنة،و تنعمت به عشرين سنة.و بمشاهدة المتكلم دون ما سواه يكون العبد ممتثلا لقوله عز و جل: (فَفِرُّوا إِلَى اللّٰهِ [١]) و لقوله تعالى: (وَ لاٰ تَجْعَلُوا مَعَ اللّٰهِ إِلٰهاً آخَرَ [٢]) فمن لم يره في كل شيء فقد رأى غيره،و كل ما التفت إليه العبد سوى اللّٰه تعالى تضمن التفاته
[١] الذاريات:٥٠
[٢] الذاريات ٥١