إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٢٤ - الخامس التفهم
و قال ابن مسعود رضى اللّٰه عنه:من أراد علم الأوّلين و الآخرين فليثور القرءان،و أعظم علوم القرءان تحت أسماء اللّٰه عز و جل و صفاته،إذ لم يدرك أكثر الخلق منها إلا أمورا لائقة بأفهامهم و لم يعثروا على أغوارها و أما أفعاله تعالى فكذكره خلق السموات و الأرض و غيرها.فليفهم التالي منها صفات اللّٰه عز و جل و جلاله،إذا لفعل يدل على الفاعل،فتدل عظمته على عظمته،فينبغي أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل،فمن عرف الحق رآه في كل شيء،إذ كل شيء فهو منه و إليه و به و له،فهو الكل على التحقيق،و من لا يراه في كل ما يراه فكأنه ما عرفه،و من عرفه عرف أن كل شيء ما خلا اللّٰه باطل،و أن كل شيء هالك إلا وجهه،لا أنه سيبطل في ثاني الحال،بل هو الآن باطل إن اعتبر ذاته من حيث هو،إلا أن يعتبر وجوده من حيث إنه موجود باللّٰه عز و جل و بقدرته،فيكون له بطريق التبعية ثبات،و بطريق الاستقلال بطلان محض.و هذا مبدأ من مبادئ علم المكاشفة.و لهذا ينبغي إذا قرأ التالي قوله عز و جل: (أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تَحْرُثُونَ [١]) (أَ فَرَأَيْتُمْ مٰا تُمْنُونَ [٢]) (أَ فَرَأَيْتُمُ الْمٰاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ [٣]) (أَ فَرَأَيْتُمُ النّٰارَ الَّتِي تُورُونَ [٤]) فلا يقصر نظره على الماء و النار و الحرث و المنى،بل يتأمل في المنى و هو نطفة متشابهة الأجزاء،ثم ينظر في كيفية انقسامها إلى اللحم و العظم و العروق و العصب،و كيفية تشكل أعضائها بالأشكال المختلفة من الرأس و اليد و الرجل و الكبد و القلب و غيرها،ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة من السمع و البصر و العقل و غيرها،ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات المذمومة من الغضب و الشهوة و الكبر و الجهل و التكذيب و المجادلة،كما قال تعالى: أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسٰانُ أَنّٰا خَلَقْنٰاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذٰا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ [٥]) فيتأمل هذه العجائب ليترقى منها إلى عجب العجائب و هو الصفة التي منها صدرت هذه الأعاجيب،فلا يزال بنظر إلى الصنعة فيرى الصانع
[١] الواقعة:٦٣
[٢] الواقعة:٥٨
[٣] الواقعة:٦٨
[٤] الواقعة:٧١
[٥] يس:٧٧