إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٧ - الرابع أن الإظهار إقامة لسنة الشكر
فالآن إذا عرفت هذه المعاني فاعلم أن ما نقل من اختلاف الناس فيه ليس اختلافا في المسألة بل هو اختلاف حال فكشف الغطاء في هذا أنا لا نحكم حكما بتّا بأن الاخفاء أفضل في كل حال أو الإظهار أفضل بل يختلف ذلك باختلاف النيات،و تختلف النيات باختلاف الأحوال و الأشخاص، فينبغي أن يكون المخلص مراقبا لنفسه،حتى لا يتدلى بحبل الغرور،و لا ينخدع بتلبيس الطبع،و مكر الشيطان.و المكر و الخداع أغلب في معانى الاخفاء منه في الإظهار،مع أن له دخلا في كل واحد منهما ،فأما مدخل الخداع في الاسرار فمن ميل الطبع إليه،لما فيه من خفض الجاه و المنزلة،و سقوط القدر عن أعين الناس،و نظر الخلق إليه بعين الازدراء،و إلى المعطي بعين المنعم المحسن.فهذا هو الداء الدفين،و يستكن في النفس،و الشيطان بواسطته يظهر معانى الخير حتى يتعلل بالمعاني الخمسة التي ذكرناها:
و معيار كل ذلك و محكه أمر واحد،و هو أن يكون تألمه بانكشاف أخذه الصدقة كتألمه بانكشاف صدقة أخذها بعض نظرائه و أمثاله،فإنه إن كان يبغى صيانة الناس عن الغيبة و الحسد و سوء الظن،أو يتقي انتهاك الستر،أو إعانة المعطى على الاسرار،أو صيانة العلم عن الابتذال ،فكل ذلك مما يحصل بانكشاف صدقة أخيه،فان كان انكشاف أمره أثقل عليه من انكشاف أمر غيره،فتقديره الحذر من هذه المعاني أغاليط و أباطيل من مكر الشيطان و خدعه،فإن إذلال العلم محذور من حيث إنه علم لا من حيث إنه علم زيد أو علم عمرو،و الغيبة محذورة من حيث إنها تعرض لعرض مصون لا من حيث إنها تعرض لعرض زيد على الخصوص.و من أحسن من ملاحظة مثل هذا ربما يعجز الشيطان عنه،و الا فلا يزال كثير العمل قليل الحظ و أما جانب الإظهار فميل الطبع إليه من حيث إنه تطييب لقلب المعطى و استحثاث له على مثله و إظهاره عند غيره أنه من المبالغين في الشكر حتى برغبوا في إكرامه و تفقده.و هذا داء دفين في الباطن،و الشيطان لا يقدر على المتدين إلا بان يروج عليه هذا الخبث في معرض السنة و يقول له الشكر من السنة و الاخفاء من الرياء،و يورد عليه المعاني التي ذكرناها ليحمله على الإظهار،و قصده الباطن ما ذكرناه