إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ٢٦ - الرابع أن الإظهار إقامة لسنة الشكر
فاختلاف الحال شرك في التوحيد.قال بعضهم:كنا لا نعبؤ بدعاء من يأخذ في السر و يرد في العلانية.و الالتفات إلى الخلق حضروا أم غابوا نقصان في الحال،بل ينبغي أن يكون النظر مقصورا على الواحد الفرد.حكى أن بعض الشيوخ كان كثير الميل إلى واحد من جملة المريدين،فشق على الآخرين فأراد أن يظهر لهم فضيلة ذلك المريد،فأعطى كل واحد منهم دجاجة و قال.لينفرد كل واحد منكم بها و ليذبحها حيث لا يراه أحد،فانفرد كل واحد و ذبح،إلا ذلك المريد فإنه رد الدجاجة،فسألهم فقالوا:فعلنا ما أمرنا به الشيخ،فقال الشيخ للمريد:مالك لم تذبح كما ذبح أصحابك؟فقال ذلك المريد:لم أقدر على مكان لا يراني فيه أحد فان اللّٰه يراني في كل موضع،فقال الشيخ:لهذا أميل إليه لأنه لا يلتفت لغير اللّٰه عز و جل
الرابع:أن الإظهار إقامة لسنة الشكر
،و قد قال تعالى: (وَ أَمّٰا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) [١]و الكتمان كفران النعمة،و قد ذم اللّٰه عز و جل من كتم ما آتاه اللّٰه عز و جل و قرنه بالبخل فقال تعالى: (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النّٰاسَ بِالْبُخْلِ وَ يَكْتُمُونَ مٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ) [٢]و قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[١]«إذا أنعم اللّٰه على عبد نعمة أحبّ أن ترى نعمته عليه » و أعطى رجل بعض الصالحين شيئا في السر فرفع به يده و قال:هذا من الدنيا و العلانية فيها أفضل و السر في أمور الآخرة أفضل.و لذلك قال بعضهم:إذا أعطيت في الملا فخذ ثم اردد في السر.و الشكر فيه محثوث عليه،قال صلّى اللّٰه عليه و سلم[٢]«من لم يشكر النّاس لم يشكر اللّٰه عزّ و جلّ»و الشكر قائم مقام المكافأة،حتى قال صلّى اللّٰه عليه و سلم «من أسدى إليكم معروفا فكافئوه فإن لم تستطيعوا فأثنوا عليه به خيرا و ادعوا له حتّى تعلموا أنّكم قد كافأتموه»[٣]و لما قال المهاجرون في الشكر يا رسول اللّٰه ما رأينا خيرا من قوم نزلنا عندهم قاسمونا الأموال حتى خفنا أن يذهبوا بالأجر كلّه،فقال صلّى اللّٰه عليه و سلم«كلّ ما شكرتم لهم و أثنيتم عليهم به فهو مكافأة »
[١] الضحى:١١
[٢] النساء:٣٧