مسالك الأفهام إلى تنقيح شرائع الإسلام - الشهيد الثاني - الصفحة ١٥٩ - الأول في متعلّق الوصيّة
..........
و فيه: أنّ علمه بوجوبه و استحقاقه العقاب على ترك الواجب اختيارا مع قدرته على براءة الذمّة منه يوجب وجوب الوصيّة ليتخلّص من العقاب بتركه، فإنّ دفع الضرر عن النفس واجب.
نعم، لو كان فوات الواجب لا بتفريطه- كالغفلة عن الصلاة مع عدم القدرة على القضاء حال الوصيّة- احتمل حينئذ عدم وجوب الوصيّة، إذ لا عقاب على ذلك التفويت، و لا دليل على وجوب الوصيّة بالقضاء.
و يمكن الاستدلال على الوجوب مطلقا بقول أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- في صحيحة محمد بن مسلم و غيره: «الوصيّة حقّ على كلّ مسلم» [١]. و الحقّ و إن كان أعمّ من الواجب إلّا أن «على» ظاهرة في الوجوب، و لا ينافيه عدم وجوب الوصيّة لمن لا حقّ عليه، لأنّ ذلك خرج عن العموم بدليل خارج، فيبقى العامّ حجّة في الباقي. و يمكن استعمال «على» في حقيقته و مجازه على سبيل التجوّز حيث تعذّر حملها على الحقيقة في جميع أفراد الوصيّة.
إذا تقرّر ذلك: فإذا اجتمع حقوق واجبة ماليّة و بدنيّة و متبرّع بها بدئ بالماليّة من الأصل، ثمَّ نظر إلى ثلث الباقي و أخرج منه الباقي مبتدئا بالواجب الأول فالأول، ثمَّ بغيره على الترتيب إن لم يجز الوارث الجميع. و لو أجاز البعض بدئ به من الأصل كالواجب الماليّ، لكن لو ضاق المال عنهما بدئ بالواجب.
و لو حصر الموصي الجميع في الثلث بدئ بالواجب الماليّ، فإن فضل منه شيء أخرج من باقي المال و إن خرج عن مقتضى الوصيّة، لوجوب إخراج هذا النوع من الواجب و إن لم يوص به. و إن فضل من الثلث عنه شيء أخرج الواجب البدني بعده، و هكذا على الترتيب إلى أن يستوفي الثلث، و يبطل الباقي حيث لا إجازة.
و لو كان الجميع غير واجب بدئ بالأول في الذكر فالأول حتى يستوفي الثلث.
[١] التهذيب ٩: ١٧٢ ح ٧٠١، الوسائل ١٣: ٣٥٢ ب «١» من كتاب الوصايا ح ٣ عن أحدهما (عليهما السلام).