السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٦٥ - فأمّا ما لا يجب الوفاء به من النّذر
و قال شيخنا في نهايته: النذر هو ان يقول الإنسان إن كان كذا و كذا فللّه علىّ كذا و كذا، من صيام أو صدقة أو حج أو صلاة أو غير ذلك من أفعال البر، فمتى كان ما نذر و حصل وجب عليه الوفاء بما نذر فيه [١].
فذكر (رحمه الله) النذر المشروط في هذا الكتاب، اعنى كتاب النهاية، و لم يذكر المطلق من النذر.
الّا انّه في مسائل خلافه يذهب إلى أنه ينعقد، سواء كان مشروطا أو مطلقا، و يناظر على ذلك و يستدلّ على صحته [٢] و هو الّذي اخترناه نحن، لان العمل عليه، و ظاهر القرآن و السّنة يتناوله، و لا يلتفت الى قول غلام ثعلب الذي يرويه عن ثعلب «من أن النّذر عند العرب و عيد بشرط» لأنّ في عرف الشرع صار متناولا للشّرط و غير الشّرط، و عرف الشّرع هو الطاري و كالناقل.
ثمّ قال (رحمه الله) في نهايته: فان قال: ان كان كذا، و لم يقل: للّه، لم يكن ذلك نذرا واجبا، بل يكون مخيّرا في الوفاء به و تركه، و الأفضل له الوفاء به، على كل حال، و متى اعتقد انّه متى كان شيء فللّه عليه كذا و كذا، وجب عليه الوفاء به عند حصول ذلك الشّيء، و جرى ذلك مجرى أن يقول للّه علىّ كذا و كذا، فان جعل في اعتقاده متى كان شيء كان عليه كذا، و لم يعتقد للّه، كان مخيّرا في ذلك حسب ما قدمناه في القول «هذا آخر كلامه (رحمه الله) في نهايته» [٣].
و قد قلنا ما عندنا في ذلك: من أنه لا ينعقد الّا ان يتلفظ به و ينطق، مع النيّة أيضا، و لا يجزى أحدهما عن الآخر، لأنّ هذا مجمع على انعقاد النذر به، و ليس على انعقاده بغير ذلك دليل، لأنّ النذر حكم شرعي يحتاج في إثباته إلى دليل شرعي، و أيضا فلا يتعلق الاحكام في معظم الشرعيّات الّا بما ينطق المكلّف به و يتلفظ بذلك لسانه، حتى يحكم عليه به، من بيع أو طلاق أو هبة أو صدقة أو إقرار و غير ذلك.
[١] النهاية، كتاب الايمان و النذور، باب ماهيّة النذور و العهود.
[٢] الخلاف، كتاب النذور، مسألة ١.
[٣] النهاية، كتاب الايمان و النذور، باب ماهيّة النذور و العهود.