السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ١٩٥ - باب الوصيّة و ما يصحّ منها و ما لا يصحّ
الرجوع فيه، فان لم يرجع فيه، كان من الثلث، فإن أعتقه في الحال مضى العتق، و ليس لأحد عليه سبيل، سواء كان عليه دين بأضعافه، أو أقل، أو أكثر، أو لم يكن، بخلاف التدبير.
فإذا أوصى الإنسان بثلث ماله لشخص، ثم بعد ذلك اوصى بثلث ماله لغير ذلك الشخص، كان الثلث لمن اوصى له أخيرا، و كانت الوصيّة الأخيرة ناسخة للأولى، و رافعة لحكمها، لأن الإنسان لا يستحق من ماله بعد وفاته الا ثلث ماله، فإذا اوصى به لإنسان، ثم وصى بعد ذلك به لإنسان آخر، فقد نقل الثلث الذي يستحقه من الأوّل الى الثّاني، لأنه يعلم انه لا يستحق سوى الثلث، فإذا وصّى به ثمّ وصّى به، فقد رجع عن الوصيّة الأولى، و للإنسان ان يرجع عن وصيّته و يبدّلها و يغير أحكامها ما دام حيّا ثابت العقل، فليحظ ذلك، فهذا معنى قول أصحابنا، و ما يوجد في الكتب «انّه إذا اوصى الإنسان بوصيّة، ثمّ أوصى بأخرى، فإن أمكن العمل بهما جميعا وجب العمل بهما، و إن لم يمكن العمل بهما كان العمل على الأخيرة دون الأولى».
فامّا إذا اوصى بشيء و لم يقل بثلثي، ثم أوصى بشيء آخر و لم يذكر الثلث، و أوصى بشيء آخر و لم يذكر الثلث، فان مذهب أصحابنا ان يبدأ بالأوّل فالأوّل، و يكون النقصان ان لم يف الثلث داخلا على من ذكر أخيرا، لأنه لما أوصى للأوّل، ما قال أوصيت له بثلثي، و كذلك الثّاني و الثالث، فظن ان ثلثه يبلغ مقداره جميع من ذكره، و يفى بما ذكر، و لم ينقل عن الأوّل ما اوصى له به، و كذلك الثاني، فلو علم انه قد استوفى ثلث ماله لمن اوصى له به، ما اوصى بعده بشيء آخر، لانه يعلم انه ليس له بعد موته سوى الثلث، فإذا استوفاه فيكون النقصان داخلا على من ذكره أخيرا.
فهذا الفرق بين المسألتين، فلا يظن ظان ان المسألتين واحدة، و ان بينهما تناقضا أو مذهب أصحابنا ان الوصيّة الثانية ناسخة للأولى في جميع المواضع، أو انّ الواجب البدأة بالأوّل فالأوّل، بل إذا وجد في بعض الكتب أنّ الأخيرة ناسخة للأولى، ففقه ذلك ما ذكرناه، و إذا وجد في الكتب، ان الواجب ان يبدأ بالأوّل