السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ٥٤٢ - فصل في تنفيذ الاحكام و ما يتعلق بذلك ممن له اقامة الحدود و الآداب
فروى عن محمّد بن مسلم الثقفي، انه قال مر بي الصّادق جعفر بن محمّد (عليهما السلام) و انا جالس عند قاضي المدينة، فدخلت عليه من الغد، فقال لي ما مجلس رأيتك فيه بالأمس، قلت جعلت فداك، ان هذا القاضي لي مكرم، فربما جلست اليه، فقال لي (عليه السلام) و ما يؤمنك أن تنزل اللعنة فتعم جميع من في المجلس [١].
فلفظ هذا الحديث و معناه مطابق لما تقرّر الشرع به، من وجوب إنكار المنكر و قبح الرّضا به و الحكم بالجور من أعظم المنكرات، فمجالس الحكام به لغير الإنكار و التقية، راض بما يجب إنكاره من الجور، فاستحقا اللعنة معا، و إذا كانت هذه حال الجليس، فحال الحاكم بالجور و مقلده النظر و التحاكم اليه، و الآخذ بحكمه، أغلظ، لارتفاع الريب في رضاء هؤلاء بالقبيح.
فإذا ثبت و تقرر ذلك فإنه لا يصح الحكم إيجابا، و لا حظرا، و لا تمليكا، و لا منعا، و لا إلزاما، و لا إسقاطا، و لا إمضاء، و لا فسخا، إلّا عن علم بما يقتضي ذلك، أو إقرار المدعى عليه، أو ثبوت البيّنة بالدعوى، أو يمين المدعى عليه، أو المدعي مع نكول المدّعى عليه، دون ما عدا ذلك.
فإذا ثبت ذلك، فعلم الحاكم بما يقتضي تنفيذ الحكم كاف في صحته، و مغن عن إقرار و بيّنة و يمين، سواء علم ذلك في حال تقلد الحكم أو قبلها، لسكون نفس العالم الى ما علمه في حال حكمه بمقتضاه، سواء كان علمه حادثا في الحال، أو باقيا إليها، أو متولدا عن أمثاله المعلومة المسطورة، أو حادثا، حالا بعد حال في كيفية التعلق بالمعلوم على حد واحد، و انتفاء الشبهة عنه في صحته، و عدم السكون بصحة الدّعوى مع الإقرار أو البينة أو اليمين، و انتفاء الثقة بشيء من ذلك، و انما يعلم الحاكم مع الإقرار أو الشهادة أو اليمين، صحة التنفيذ متى علم التعبد، دون صدق المدعي مع ذلك، أو المدعى عليه مع يمينه، و هو مع العلم عالم بالأمرين، صدق المدعي في الدعوى، و صحة الحكم بها.
[١] الوسائل، الباب ٦، من أبواب آداب القاضي، ح ١، باختلاف يسير.