السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ١٨٣ - كتاب الوصايا
معنى قوله (عليه السلام) «مات ميتة جاهلية» المراد به ان أهل الجاهليّة ما كانوا يرون الوصيّة، فإذا لم يوص المسلم، فقد عمل كعملهم، و شابههم، أو من تركها معتقدا انّها غير مشروعة و لا مسنونة، فهذا جاحد للنّص القرآني، حكمه حكم الكفار المرتدين.
و روي عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن آبائه عن علي (عليهم السلام) انه قال: من اوصى و لم يحف، و لم يضار كان كمن صدق به في حياته [١].
و قال ما أبالي أ ضررت بورثتي أو سرفتهم ذلك المال [٢].
سرفتهم بالسين غير المعجمة و الراء غير المعجمة المكسورة، و الفاء، و معناه اخطأتهم، و اغفلتهم، لان السرف الإغفال، و الخطأ، و قد سرفت الشيء بالكسر، إذا أغفلته و جهلته، و حكى الأصمعي عن بعض الاعراب، و واعده أصحاب له من المسجد مكانا فاخلفهم فقيل له في ذلك، فقال مررت بكم، فسرفتكم، اى اخطأتكم و اغفلتكم، و منه قول جرير.
أعطوا هنيدة تحدوها ثمانية * * * ما في عطائهم منّ و لا سرف
اي إغفال و خطأ، أي لا يخطئون موضع العطاء، بأن يعطوه من لا يستحق، و يحرموه المستحق، هكذا نصّ عليه جماعة أهل اللّغة، ذكره الجوهري في كتاب الصّحاح، و أبو عبيد الهروي في غريب الحديث، و غيرهما من اللغويّين.
فامّا من قال: في الحديث «سرقتهم ذلك المال» بالقاف، فقد صحّف، لان سرقت لا يتعدى الى مفعولين، الّا بحرف الجرّ، يقال سرقت منه مالا، و سرفت بالفاء يتعدى الى مفعولين بغير حرف الجرّ، فليلحظ ذلك.
و روي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انّه قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) من لم يحسن وصيّته عند الموت، كان ذلك نقصا في مروته و عقله [٣].
فينبغي للمرء المسلم ان يتحرز من خلاف اللّه عزّ و جلّ و خلاف رسوله
[١] الوسائل، الباب ٥ من كتاب الوصايا، ح ٢، و في المصدر، كمن تصدق به.
[٢] الوسائل، الباب ٥ من كتاب الوصايا، الحديث ١، و فيه: «سرقتهم» بالقاف.
[٣] الوسائل، الباب ٣، من كتاب الوصايا، ح ١.