السرائر الحاوي لتحرير الفتاوي - ابن إدريس الحلي - الصفحة ١٧٢ - باب الهبات و النحل
و روت عائشة، أن الرسول (عليه السلام) كان يقبل الهدية، و لا يقبل الصّدقة [١].
أما صدقة الواجب فكانت حراما عليه و على بنى هاشم، و اما صدقة الندب فهي حلال عندنا عليه و على بنى هاشم، و انما كان يتنزه عنها على جهة الاستحباب دون الفرض و الإيجاب.
و روي ان جعفر بن محمّد (عليه السلام) كان يشرب من السقايات التي بين مكة و المدينة، فقيل له في ذلك، فقال انّما حرمت علينا صدقة الفرض [٢].
و امّا الإجماع، فقد أجمعت الأمة على جواز الهبة و استحبابها.
إذا تقرّر هذا فالهبة و الصّدقة و الهدية بمعنى واحد، غير انّه إذا قصد الثواب و التقرب بالهبة الى اللّه تعالى، سميّت صدقة، فإذا أقبضها لا يجوز له الرجوع فيها بعد الإقباض على كل من تصدّق عليه بها، و إذا قصد بها التودد و المواصلة، لا التقرب الى اللّه تعالى سميت هدية و هبة.
و هي على ضربين، هبة يجوز للواهب الرجوع فيها بعد قبض الموهوب لها، و هبة لا يجوز للواهب الرجوع فيها بعد قبض الموهوب لها.
فالموهوب على ضربين، ذي رحم، و أجنبي، و ذو الرحم على ضربين، ولد و غير ولد، و الولد على ضربين، كبير و صغير.
فإذا كان كبيرا بالغا، فلا يجوز للواهب الرجوع فيها بعد قبضها على حال، سواء أضاف الولد الى القبض شيئا أخر، أو لم يضف، و كذلك الولد الصّغير، لان قبض الوالد قبض عنه، فلا يحتاج الى قبض، و الولد الكبير يحتاج الى قبض في هبته
[١] صحيح البخاري، كتاب الهبة، باب المكافاة في الهبة، ج ١١،(ص)١٢٢، الرقم ٢٤١٤. و سنن الترمذي، الباب ٣٤ من كتاب البرّ و الصلة، ج ٣(ص)٢٧٧، الرقم ٢٠١٩. و سنن أبي داود، كتاب البيوع، باب في قبول الهدايا، ج ٣،(ص)٢٦٠. و فيها جميعا: «عن عائشة انّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقبل الهدية و يثيب عليها».
[٢] سنن البيهقي، كتاب الهبات، باب إباحة صدقة التطوع لمن لا تحل له صدقة الفرض (ج ٦،(ص)١٨٣).