مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٢٢ - النوع (الأول في وجوبه)
العرب [١] و لا أترك فيها إلّا مسلما» و المراد بالإخراج تكليفهم الخروج قهرا أو تخويفهم و تشديد الأمر عليهم حتّى يضطرّوا إلى الخروج.
«وَ الْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ» أي المحنة و البلاء الّذي ينزل بالإنسان يتعذّب بها و يفتتن لإخراجه من وطنه أشدّ من القتل، لأنّ الإنسان يتمنّاه عند نزولها لدوام تعبها، و تألّم النفس بها، و قيل معناه أنّ شركهم في الحرم و صدّهم إيّاكم عنه أشدّ من قتلكم إيّاهم، فإنّهم كانوا يستعظمون القتل في الحرم، و يعيبون به المسلمين، فقيل الشّرك الّذي هم عليه أعظم منه.
«وَ لٰا تُقٰاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ حَتّٰى يُقٰاتِلُوكُمْ فِيهِ» أي لا تفاتحوهم بالقتال و هتك حرمة المسجد الحرام، و مقتضى المفهوم أنّهم إذا ابتدؤا بالقتال هناك جاز المقاتلة معهم، مكافأة على فعلهم، حيث لم يأخذوا للحرم حرمة و قد صرّح به قوله «فَإِنْ قٰاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ» فلا تبالوا بقتالهم، لأنّهم هم الّذين هتكوا حرمته، و قرأ حمزة و الكسائيّ «و لا تقتلوهم حتّى يقتلوكم، فان قتلوكم» و المعنى حتّى يقتلوا بعضكم، فانّ وقوع القتل في بعضهم بمثابة وقوعه فيهم، يقال: قتلنا بنو فلان، و إنّما قتلوا بعضهم و الآية منسوخة بقوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [٢] لدلالتها على وجوب
[١] و في هامش قض: المراد بجزيرة العرب في هذه الاخبار: الحجاز خاصة يعنى به مكة و المدينة و اليمامة و منى و ينبع و فدك و مخاليفها، و سمى حجازا لانه حجز بين نجد و تهامة، و جزيرة العرب عبارة عما بين عدن الى ربق العراق طولا و من جدة و السواحل إلى أطراف الشام عرضا قال الخليل: انما قيل لها جزيرة العرب لان بحر الحبشي و بحر فارس و الفرات قد أحاط بها و نسبتا الى العرب لأنها أرضها و مسكنها و معدنها. منه عفى عنه.
[٢] براءة: ٥، ولاية اللّه الخويي مد ظله في ص ٢٠٩ من البيان بيان يعجبنا نقله بعين عبارته قال مد ظله:
و الحق أن الآية محكمة ليست بمنسوخة، فان ناسخ الآية ان كان هو قوله فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فهذا القول ظاهر البطلان، لان الآية الأولى خاصة و الخاص يكون قرينة على بيان المراد من العام، و ان علم تقدمه في الورود فكيف إذا لم يعلم ذلك و على هذا فيختص قتال المشركين بغير الحرم، الا أن يكونوا هم المبتدئين بالقتال فيه فيجوز قتالهم فيه حينئذ.
و ان استندوا في نسخ الآية إلى الرواية القائلة ان النبي (ص) أمر بقتل ابن خطل و قد كان متعلقا بأستار الكعبة فهو باطل أيضا أولا لأنه خبر واحد لا يثبت به النسخ، ثانيا لانه لا دلالة على النسخ فإنهم رووا في الصحيح عن النبي (ص) قوله «انها لا تحل لأحد قبلي و انما أحلت لي ساعة من نهار» (و قد مر مصادر الحديث من طرق الفريقين في ص ٢٩٦ من هذا الكتاب) و صريح هذه الرواية أن ذلك من خصائص النبي فلا وجه للقول بنسخ الآية، الا المتابعة لفتوى جماعة من الفقهاء و الآية حجة عليهم انتهى.