مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٢٩٤ - الثالث (في أشياء من أحكام الحج و توابعه)
[١]. وَ إِذْ قٰالَ إِبْرٰاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هٰذٰا يريد البلد و هو مكّة «بَلَداً آمِناً» أي ذا أمن كقوله عِيشَةٍ رٰاضِيَةٍ [٢] أو آمنا أهله كقولك «ليل نائم» قيل و المراد به أنّه إذا دخل إليه المجرم في غيره لجناية لم يجز لأحد التعرّض له كما مرّ، و لا يصاد طيره و لا يقطع شجره، و لا يختلى خلاه، و يؤيّده ما روى عن الصّادق (عليه السلام) «من دخل الحرم مستجيرا به فهو آمن من سخط اللّه، و من دخله من الوحش و الطّير كان آمنا من أن يهاج أو يؤذى حتّى يخرج من الحرم [٣] و على هذا فيمكن الاستدلال بها على هذه الأحكام.
و يلزم منه تحريم الصّيد على المحلّ إن كان في الحرم كما هو ثابت بالإجماع بمعنى أنّه لا يجوز اصطياده فيه، أمّا لو صيد في الحلّ و ذبح هناك و أدخل الحرم مذبوحا جاز للمحلّ أكله في الحرم، و قد تظافرت الاخبار بذلك [٤]، و لو أدخله حيّا وجب إرساله لدخوله الأمن و ذلك ثابت بإجماعنا أيضا و بذلك تظافرت الأخبار [٥] أيضا.
و وجه الدّلالة أنّه تعالى حقّق دعوته في ذلك و حرّم مكّة بدعائه (عليه السلام) و قبله كانت كسائر البلاد، و قد روي [٦] عن النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه قال «إنّ إبراهيم حرّم مكّة
[١] البقرة: ١٢٦ و ١٢٧.
[٢] الحاقة: ٢١.
[٣] قد مر في ص ١٠٤ من هذا الجزء بمصادره.
[٤] انظر الوسائل الباب ٥ من أبواب تروك الإحرام ج ٢ ص ٢٥٤ ط الأميري.
[٥] تراها في خلال أبواب تروك الإحرام و أبواب كفارات الصيد.
[٦] انظر الحديث بطرقه المختلفة و ألفاظه المتفاوتة في سنن البيهقي ج ٥ ص ١٩٧ و ص ١٩٨ و المنتقى بشرح نيل الأوطار ج ٥ ص ٣٢ و ص ٣٣ و صحيح مسلم بشرح النووي ج ٩ من ص ١٣٤ الى ص ١٥١ و البخاري بشرح فتح الباري ج ٦ ص ٤٢٤ و ص ٤٢٧ باب الخدمة في الغزو من كتاب الجهاد و ج ٧ ص ٢١٩ كتاب الأنبياء باب قول اللّه و اتخذ اللّه إبراهيم خليلا ج ١١ باب الحبس من كتاب الأطعمة.
و أخرجه في الجامع الصغير بلفظ اللهم ان إبراهيم بالرقم ١٤٩٥ ج ٢ ص ١٢٦ فيض القدير عن مسلم و بلفظ «ان إبراهيم» بالرقم ٢١٥٩ ص ٤٠٦ عن أحمد و مسلم و بلفظ «انى حرمت ما بين لابتي المدينة كما حرم إبراهيم مكة» ج ٣ ص ١٧ بالرقم ٢٦٣٨ عن ابى سعيد و ظاهر عبارة المصنف أن الحديث نبوي تفرد بنقله أهل السنة و ليس كذلك بل رواه أصحابنا أيضا ففي التهذيب ج ٦ ص ١٢ بالرقم ٢٣ عن أبى عبد اللّه قال رسول اللّه (ص) ان مكة حرم اللّه حرمها إبراهيم (عليه السلام) و ان المدينة حرمي ما بين لابتيها حرم لا يعضد شجرها و هو ما بين ظل عائر إلى ظل وعير، و ليس صيدها كصيد مكة يؤكل هذا و لا يؤكل ذاك، و الحديث في الكافي ج ١ ص ٣١٩ باب تحريم المدينة الحديث ٥ و في المرآة ج ٣ ص ٣٥٨ و حكاه في المنتقى ج ٢ ص ٦٢٠ و الوافي الجزء الثامن ص ٢٠٦ و الوسائل الباب ١٧ من أبواب المزار الحديث ١ ج ٢ ص ٣٨٣ ط الأميري.
ثم عاير و وعير على ما في كتب أصحابنا جبلان يكتنفان المدينة شرقا و غربا و عبر في الحديث بظلهما، تنبيها على أن الحرم ما بينهما و الجبلان خارجان عن حد الحرم و المراد ما أظل عليه كل من هذين الجبلين.
و وعير ضبطه في الدروس بفتح الواو و في المسالك و قيل بضمها و فتح العين المهملة و قال المحقق الثاني في جامع المقاصد وجدته مضبوطا في مواضع متعددة بضم الواو و فتح العين المهملة و في كشف اللثام كذا وجدته بخط بعض الفضلاء و فيه و في خلاصة الوفاء عير و يقال عاير جبل مشهور في قبلة المدينة قرب ذي الحليفة و لم يذكر وعير في معجم البلدان و مراصد الاطلاع.
و في أخبار أهل السنة عند تحديد حرم المدينة أنه ما بين عير و ثور، و في بعضها عاير مكان عير، و لما كان ثور اسم جبل بمكة فيه الغار الذي اختفى فيه النبي (ص) اضطرب كلمات المحدثين فضرب بعضهم على كلمة ثور و ترك بعض الرواة موضع ثور بياضا و أبهم البخاري في روايته فقال من كذا الى كذا أو عائر الى كذا، و أمثاله و قال أبو عبيدة أصل الحديث من عير الى أحد، و قال مصعب الزبيري لا يعرف بالمدينة جبل يقال له عير و لا عاير و لا ثور، و قال بعض سمى النبي (ص) الجبلين اللذين بطرفي المدينة عيرا و ثورا ارتجالا.
و قيل ان عيرا جبل بمكة فيكون المراد أن حرم المدينة مقدار ما بين عير و ثور الذين بمكة أو حرم المدينة تحريما مثل تحريم ما بين عير و ثور بمكة على حذف المضاف و وصف المصدر المحذوف و يؤيد أن عيرا أيضا جبل بمكة لامية أبي طالب المعروفة، و فيها.
و ثور و من أرسى ثبيرا مكانه * * * و عير و راق في حراء و نازل.
فإنه ذكر فيها جبال مكة و ذكر فيها عيرا و العير بفتح العين انظر تفصيل ما تلوناك في المرآة ج ٣ ص ٣٥٨ و المدارك ص ٤٣٠ و سائر كتب الفقه مبحث حرم المدينة و كذا فتح الباري و شرح النووي على صحيح مسلم و نيل الأوطار بحث حرم المدينة و معجم البلدان كلمة ثور و عاير و وعير.
و لابتا المدينة حرتاها اللتان تكتنفان بها قال في المدارك و الحرتان موضعان ادخل منهما نحو المدينة و هما حرة ليلى و حرة واقم بكسر القاف و أصل الحرة بفتح الحاء المهملة و تشديد الراء الأرض التي فيها الحجارة السود انتهى.
و العضد القطع، و البريد أربعة فراسخ، قال صاحب المعالم في منتقى الجمان بعد نقله الحديث المار ذكره، و في متنه نوع حزازة و محصل معناه أن حرم المدينة بريد لا يعضد شجره و يوكل صيده.