مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٥٤ - (البحث الثالث) (في أمور تتبع الإخراج)
النبيّ (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أوّلا عن المنفق و المصرف، ثمّ سأل عن كيفيّة الإنفاق.
«قُلِ الْعَفْوَ» هو نقيض الجهد، و منه يقال للأرض السهلة العفو، و هو أن ينفق ما تيسّر له بذله، و لا يبلغ منه الجهد و استفراغ الوسع، قال الشاعر:
خذ العفو منّى تستديمي مودّتي و قيل الوسط من غير إسراف و لا إقتار، و هو المرويّ عن الصادق (عليه السلام) [١]، و قيل إنّه مأخوذ من الزيادة و الفضل، و منه «حَتّٰى عَفَوْا» [٢] أي زادوا على ما كانوا عليه من العدد، و المراد به ما فضل عن قوت السنة، و هو المرويّ عن الباقر [٣] (عليه السلام) أيضا.
و اختلف في هذا الإنفاق فقيل إنّه تطوّع، و لو كان مفروضا لبيّن مقداره و لم يفوّض إلى رأي المتصدّق [٤] و قيل إنّه مفروض، و إنّه كان قبل نزول آية الصدقات، و كانوا مأمورين بأن يأخذوا من مكاسبهم ما يكفيهم في عامهم، و ينفقون ما فضل، ثمّ نسخت بآية الزكاة، و نقله في مجمع البيان [٥] عن السدّي و لا شكّ في بعد النسخ، لأنّه خلاف الأصل و المنافاة غير ظاهرة إلّا بالتأويل، و فيها دلالة على أنّ الإنفاق لا يكون بجميع ما عنده من المال، بحيث يبلغ به الجهد و يصير كلّا على الناس.
و يؤيّده ما روى عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) أنّ رجلا أتاه ببيضة [٦] من ذهب أصابها في بعض المغازي فقال خذها منّي صدقة، فأعرض عنه فأتاه من جانب آخر فقال له مثله فأعرض عنه ثمّ أتاه من جانب آخر فأعرض عنه ثمّ قال هاتها مغضبا فأخذها و حذفه بها حذفا
[١] انظر البرهان ج ١ ص ٢١٢ و المجمع ج ١ ص ٣١٦ و الكافي ج ١ ص ١٨٧ باب فضل القصد الحديث ٣.
[٢] الأعراف: ٩٥.
[٣] المجمع ج ١ ص ٣١٦ و البرهان ج ١ ص ٢١٢ و نور الثقلين ج ١ ص ١٧٥.
[٤] المتكلم خ.
[٥] المجمع ج ١ ص ٣١٦.
[٦] نسخة القاضي: بصدقة، ببيضة خ ل.