مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٤٠٤
و قد اختلفوا في كونه نبيّا أو لا، و الأكثر على أنّه كان حكيما، و لم يكن نبيّا و قيل كان نبيّا عن عكرمة و السديّ و الشعبي، و فسّروا الحكمة هنا بالنبوّة، و قيل إنّه كان عبدا أسود حبشيّا غليظ المشافر مشقوق الرّجلين في زمن داود (عليه السلام)، و قال له بعض النّاس: ألست كنت ترعى معنا؟ فقال نعم، قال فمن أين أوتيت ما لديك؟ قال قدر اللّه و أداء الامانة، و صدق الحديث، و الصّمت عمّا لا يعنى.
و عن نافع عن ابن عمر [١] قال: سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) يقول: حقّا أقول لم يكن لقمن نبيّا و لكن كان عبدا كثير التفكّر حسن اليقين، أحبّ اللّه فأحبّه، و منّ عليه بالحكمة، كان نائما نصف النّهار إذ جاءه نداء يا لقمن هل لك أن يجعلك اللّه خليفة في الأرض تحكم بين النّاس بالحقّ فأجاب إن خيّرني ربّى قبلت العافية و لم أقبل البلاء، و إن عزم عليّ فسمعا و طاعة، فانّى أعلم أنّه إن فعل ذلك بي أعانني و عصمنى فقالت الملائكة بصوت لا يراهم: لم يا لقمن؟ قال لأنّ الحكم أشدّ المنازل و أكدّها يغشاه الظلم من كلّ مكان، إن وفا فبالحرىّ أن ينجو، و إن أخطأ أخطأ طريق الجنّة و من يكون في الدّنيا ذليلا و في الآخرة شريفا خير من أن يكون في الدّنيا شريفا و في الآخرة ذليلا، و من يختر الدّنيا على الآخرة تفته الدّنيا، و لا يصيب الآخرة.
فتعجّبت الملائكة من حسن منطقه، فنام يومه فاعطى الحكمة فانتبه يتكلّم بها.
و عن ابن عبّاس: لقمن لم يكن نبيّا و لا ملكا، و لكن كان راعيا أسود فرزقه اللّه العتق، و رضي قوله و وصيّته فقصّ أمره في القرآن ليتمسّكوا بوصيّته، فإنّها صدرت عن حكمة أعطاه اللّه تعالى إيّاها، و منحه بها. و حينئذ فيصحّ التمسّك بها في ثبوت الاحكام.
«أَنِ اشْكُرْ لِلّٰهِ» أنّ هي المفسّرة لأنّ إيتاء الحكمة في معنى القول «وَ مَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمٰا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ» لأنّ نفعه عائد إليه، فإنّ دوام النعمة و استحقاق مزيدها اللّذين هما من آثار الشكر إنّما يعودان على الشّاكر نفسه «وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ» لا يحتاج
[١] المجمع ج ٤ ص ٣١٥.