مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٧٦ - كتاب (الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر)
في المستقبل، و نظيره قوله «وَ كٰانَ اللّٰهُ غَفُوراً رَحِيماً» و مغفرته المستأنفة كالماضية، و قيل:
إنّ «كان» تامّة، و المعنى وجدتم خير امّة و خلقتم كذلك، و قيل كنتم في علم اللّه أو في اللّوح المحفوظ، أو فيما بين الأمم المتقدّمة، و قيل إنّها بمعنى صار.
«أُخْرِجَتْ لِلنّٰاسِ» أظهرت و خلقت تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَ تَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ كلام مستأنف بيّن به كونهم خير امّة كما تقول زيد كريم: يطعم النّاس و يكسوهم و يقوم بمصالحهم «وَ تُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ» عطف على سابقه و المراد الايمان بتوحيده و عدله و دينه و جميع ما يجب أن يؤمن به.
و الوجه في كون هذه الأمّة خير الأمم مع أنّ الصّفات الثلاث كانت حاصلة لسائر الأمم أنّ الأمر بالمعروف قد يكون بالقلب و باللّسان و باليد و أقواها ما يكون بالقتال لأنّه إلقاء النفس في خطر القتل، و أعرف المعروفات الدين الحقّ و الايمان بالتوحيد و النبوّة، و أنكر المنكرات الكفر باللّه، فكان الجهاد في الدين تحمّلا لأعظم المضارّ لغرض إيصال الغير إلى أعظم المنافع و تخليصه من أعظم المضارّ، فكان من أعظم العبادات، و لمّا كان أمر الجهاد في شرعنا أقوى منه في سائر الشرائع، لا جرم صار ذلك موجبا لفضل هذه الأمة على سائر الأمم.
و أمّا الإيمان فلا شكّ أنّه في هذه الأمة أكمل من غيرها، لأنّهم آمنوا بكلّ ما يجب الإيمان به من رسول أو كتاب أو بعث أو حساب إلى غير ذلك، و لا يقولون «نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ» فإنّ الايمان بالبعض دون البعض بمثابة عدم الإيمان باللّه عزّ و جلّ.
و لقد أخبر اللّه تعالى عن الكفّار بقوله وَ يَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَ نَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَّخِذُوا بَيْنَ ذٰلِكَ سَبِيلًا أُولٰئِكَ هُمُ الْكٰافِرُونَ حَقًّا [١] و إنّما أخّره مع أنّ حقّه أن يقدّم، لانّه قصد بذكره الدلالة على أنهم أمروا بالمعروف و نهوا عن المنكر إيمانا باللّه و تصديقا، و إظهارا لدينه، و اقتصر في وصف الأمّة على الإيمان
[١] النساء: ١٥٠.