مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٥٢ - (النوع الثالث) (في أحكام متعددة)
قالوا: و يؤيّد ذلك أنّ النبيّ [١] (صلى اللّه عليه و آله و سلم) بعث يوم الحديبية إلى أهل مكّة عثمان لأنّ عشيرته كانت أقوى بمكّة، نعم يستحبّ لمثل هذا المهاجرة لما في الإقامة معهم من الاختلاط بهم، و تكثير عددهم.
ثمّ استثنى ممّا تقدّم بقوله «إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجٰالِ وَ النِّسٰاءِ وَ الْوِلْدٰانِ» و الظاهر أنّ الاستثناء منقطع لعدم دخولهم في الموصول و ضميره و الإشارة إليه «لٰا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً» لفقرهم و عجزهم عن التوصّل و عدم وجدانهم أسباب الهجرة و هي صفة «المستضعفين» و يجوز أن تكون صفة الرّجال و ما بعده، و إن كان نكرة لأنّ الموصوف لا يراد به شيء بعينه، فهو كقوله «و لقد أمرّ على اللّئيم يسبّني».
«وَ لٰا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا» و لا معرفة لهم بالمسالك و الطّرق.
«فَأُولٰئِكَ عَسَى اللّٰهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ» ذكر بكلمة الاطماع و لفظة العفو إيذانا بأنّ ترك الهجرة أمر خطير، حتّى أنّ المضطرّ من حقّه أن لا يأمن و يسأل اللّه العفو عنه و يترصّد الفرصة فكيف بغيره.
«وَ كٰانَ اللّٰهُ عَفُوًّا غَفُوراً» و مقتضاها عدم وجوب المهاجرة على تقدير عدم الحيلة و الاستطاعة، و وجود العذر المانع منها كالمرض و الضّعف، أو عدم النفقة أو غير ذلك و هي مؤكّدة الوجوب في صورة القدرة كما اقتضته الآية السابقة.
و لا يرد أنّه قد روي [٢] عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلم) «لا هجرة بعد الفتح» و من ثمّ احتمل بعضهم كونه ناسخا لها، إن كان متواترا، أو مخصّصا لها أو مقيّدا إن لم يكن، لأنّ المراد بالحديث نفي وجوب الهجرة عن مكّة بعد فتحها للتمكّن من إظهار شعائر الإسلام و لكونها صارت دار الإسلام لا أنّ المراد عدم الهجرة على العموم، كيف و الهجرة من
[١] انظر السير قصة عمرة الحديبية.
[٢] انظر الوسائل الباب ٣٦ من أبواب الجهاد الحديث ٧ ج ٢ ص ٤٣١ ط الأميري و المنتهى ج ٢ ص ٨٩٩ و انظر أيضا الجامع الصغير الرقم ٩٩٢٧ ج ٦ ص ٤٣٨ فيض القدير و فيه أنه أخرجه الجماعة إلا ابن ماجة و انظر سنن البيهقي ج ٩ من ص ١٥ الى ص ١٨ و مجمع الزوائد ج ٥ ص ٢٥٠ و ص ٢٥١.