مسالك الأفهام إلى آيات الأحكام - الفاضل الكاظمي - الصفحة ٣٥٠ - (النوع الثالث) (في أحكام متعددة)
حين كانت الهجرة إلى بلاد الإسلام لإظهار شرائعه و إقامة أحكامه فريضة واجبة.
«قٰالُوا» أي الملائكة توبيخا لهم و تبكيتا «فِيمَ كُنْتُمْ» في أيّ شيء كنتم من أمر دينكم إذ لم تكونوا في شيء من أمر الدّين، بسبب ترك الهجرة الواجبة مع القدرة و ترك إظهار الإسلام لعدم مبالاتهم بالشريعة، و هو في الحقيقة نعي عليهم بأنّهم ليسوا من الدّين في شيء، و لهذا لم يجيبوا بقولهم كنّا في كذا أو لم نكن في شيء «قٰالُوا» في جواب الملائكة معتذرين مما وبّخوا به «كُنّٰا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ» أي غير قادرين على الهجرة لعدم المؤنة على السّفر، أو غير قادرين على إظهار الايمان لما فيهم من الضّعف.
«قٰالُوا» أي الملائكة تكذيبا لهم على الأوّل «أَ لَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّٰهِ وٰاسِعَةً فَتُهٰاجِرُوا فِيهٰا» يعني كنتم قادرين على الهجرة فتركتموها من عند أنفسكم، و على الثاني كنتم قادرين على إظهار الايمان بأن تهاجروا إلى قطر آخر [تتمكّنوا فيه من إظهار دينكم] كما فعل المهاجرون إلى المدينة و الحبشة و أظهروا إيمانهم.
«فَأُولٰئِكَ» أي الّذين توفّيهم الملائكة على الوجه السابق «مَأْوٰاهُمْ جَهَنَّمُ» مسكنهم فيها، لتركهم الهجرة الواجبة، و مساعدتهم الكفّار في إخفاء معالم الدّين «وَ سٰاءَتْ مَصِيراً» مصيرهم أو جهنّم، و فيها وعيد عظيم على ترك الهجرة من موضع يكون الإنسان فيه غير متمكّن من إقامة دينه، و يلزم من ذلك وجوبها كما صرّح به القاضي و غيره.
و قال في الكشاف [١] «هذا دليل على أنّ الرّجل إذا كان في بلد لا يتمكّن فيه من إقامة أمر دينه كما يجب لبعض الأسباب، أو علم أنّه في غير بلده أقوم بحقّ اللّه و أدوم على العبادة، حقّت عليه المهاجرة» و لعلّه أراد من لفظ حقّت الوجوب، لكن يشكل الأمر في وجوب المهاجرة مع الصّورة الثانية، و من ثمّ لم يتعرّض لها القاضي و اقتصر في الدلالة على الأولى.
و لا يبعد حمل الثّانية على ما إذا تمكّن من إقامة بعض ما يجب عليه من أمر دينه
[١] الكشاف ج ٢ ص ٥٥٥ ط دار الكتاب العربي.